فى الحومة
ليس بالضجيج أو الصوت العالى تعرف الكلمات وتدرك المعانى، بل بمدرسة العمق القانونى والتأصيل الفلسفى والملكات القانونية والمعارف للمدارس المختلفة والدراسات المقارنة للمناهج المتطورة للفقه القانونى واتجاهاته القديمة والحديثة، وأحد رجال القانون الكبار فى الدراسات المقارنة فى القانون الجنائى والإجراءات الجنائية هو الأستاذ الدكتور طارق سرور فى إطلالة اليوم على همسة من همساته التى لها رجع الصدى فى حديث الساعة عن تطبيق منظومة التقاضى عن بعد فى قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمجلس الدستورى الفرنسى وقانون ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ فيطرح تساؤل هل الحضور الإلكترونى مجرد صورة حديثة لحضور المتهم أمام قاضيه ام أن للحضور المادى قيمة مستقلة بوصفه ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة؟ ويجيب بأن المحاكمة عن بعد قد لا تمثل بذاتها أمرا سلبيا بل قد تكون وسيلة مهمة لتطوير العدالة الجنائية وتسريع إجراءاتها إلا أن الإشكال يبدأ عندما تتحول من وسيلة إجرائية استثنائية أو اختيارية إلى بديل عام عن الحضور المادى للمتهم فى جميع مراحل الدعوى ولاسيما فى مواد الجنايات وفى حديثه عن تصدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لهذه المسألة فقد ذكر أنها أرست قاعدة مهمة مؤداها أن مشاركة المتهم فى المحاكمة عن طريق الاتصال المرئى لا تمثل فى ذاتها مخالفة للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان إلا أنه يتعين التحقق فى كل حالة من أمرين، أولا أن يكون اللجوء لهذه الوسيلة محققا لغرض مشروع، ثانيا أن تتم مشاركة المتهم على نحو يتفق مع متطلبات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع المنصوص عليها فى المادة ٦ من الاتفاقية، أما بخصوص التجربة الفرنسية وموقف المجلس الدستورى الفرنسى فإنه لا يجيز قانون الإجراءات الجنائية الفرنسى بصفة عامة إجراء المحاكمة الجنائية بأكملها عن بُعد أمام محكمة الجنايات وإنما تنظم المادة ٧٠٦-٧١ حالات محددة يجوز فيها استخدام وسائل الاتصال السمعى والبصرى من بينها بعض أعمال التحقيق والاستجواب والمواجهة وسماع الشهود والخبراء والإجراءات المتعلقة بالحبس الاحتياطى، هذا وقد تدخل المجلس الدستورى الفرنسى فى مناسبات متعددة لرسم الحدود الدستورية لاستخدام تقنية الاتصال المرئى عن بعد فى الحبس الاحتياطى وهو أحد المجالات المحددة حصرا والتى أجاز فيها المشرع الفرنسى اللجوء إلى هذه التقنية بديلا عن الحضور المادى فأصدر حكما فى ٣٠ إبريل ٢٠٢٠ قضى بعدم دستورية الاتصال المرئى فى بعض الإجراءات المتعلقة بالحبس الاحتياطى دون موافقة المحبوس ثم صدر حكم فى ١٥ إبريل ٢٠٢١ بشأن القواعد الاستثنائية التى تقررت أثناء جائحة كورونا والتى كانت تسمح باستخدام الاتصال المرئى دون موافقة الأطراف فى نطاق واسع من الإجراءات الجنائية ورغم تأكيد الحكم بأن حماية الصحة العامة وضمان استمرار عمل القضاء يمثلان هدفين مشروعين فإنه قضى بعدم دستورية النص لإتاحة استخدام الاتصال المرئى دون شروط أو معايير قانونية كافية وقد تأكد هذا الاتجاه بصورة أكثر وضوحا فى حكم المجلس الدستورى بتاريخ ١٠ إبريل ٢٠٢٦ والذى نوه بداية بأن النص المطعون عليه يمكن أن يؤدى إلى حرمان المتهم لمدة قد تصل إلى سنة كاملة من إمكانية المثول المادى أمام الجهة القضائية التى تفصل فى حبسه الاحتياطى، واعتبر أن ذلك يمثل مساسا جسيما بحقوق الدفاع فقضى بعدم دستورية النص فى هذا النطاق، وقضى بأن المثول المادى للشخص المتهم أمام القاضى الجنائى يمثل ضمانة قانونية للمتطلبات الدستورية المتعلقة بحقوق الدفاع، وفى أعقاب هذا التطور الدستورى تدخل المشرع الفرنسى بموجب قانون ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ معدلا المادة ٧٠٦-٧١ من قانون الإجراءات الجنائية وواضعا تنظيما أكثر تحديدا لاستخدام وسائل وسائل الاتصال السمعى البصرى، فأجاز النص تحقيقا لحسن سير العدالة استخدام هذه الوسائل أثناء الاستدلال والتحقيق فى سماع الأشخاص واستجوابهم وإجراء المواجهة بينهم، كما أجاز استخدامها أمام محكمة الموضوع لسماع الشهود والمدعين بالحق المدنى والخبراء، أما مثول المتهم المحبوس أمام محكمة الجنح عن بعد فلا يجوز إلا بموافقة النيابة العامة وجميع أطراف الدعوى، كما أجاز استخدامها فى بعض الإجراءات المتعلقة بالحبس الاحتياطى ومدده والطعن فى القرارات الصادرة بشأنه وفى بعض إجراءات التحقيق، مع منح المحبوس احتياطيا حق رفض استخدامها إلا إذا اقتضت مخاطر جسيمة تتعلق بالنظام العام أو الهرب أو خطورته الخاصة تجنب نقله إلى المحكمة، وفى جميع الأحوال أحاط المشرع استخدام هذه الوسائل بضمانات تتصل بحقوق الدفاع، فأجاز وجود المحامى إلى جوار المتهم أو أمام الجهة القضائية وأوجب فى الحالة الأخيرة تمكينه من الاتصال بموكله فى سرية، كما اشترط أن تعقد الجلسة فى ظروف تكفل للشخص حق تقديم ملاحظاته بنفسه، ويخلص من ذلك إلى أنه كلما اقترب الإجراء من جوهر المحاكمة ومن الممارسة الفعلية لحقوق الدفاع ازدادت أهمية الحضور المادى للمتهم أمام قاضيه وبطبيعة الحال حضور حضور دفاعه إلى جانبه إيمانا منه بأن المثول أمام القاضى ليس مجرد اتصال سمعى وبصرى وإنما هو ضمانة إجرائية ذات بعد إنسانى وقانونى تتيح التفاعل المباشر بين القاضى والمتهم وتكفل ممارسة حقوق الدفاع بصورة فعلية.. وعند سماع هذه الهمسة نقول سمع هوس.
وللحديث بقية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض