هل قول«اللهم صلِّ على محمد» طلبٌ من الله وهو يصلي عليه بالفعل؟
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن المراد بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، ليس مجرد الدعاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأي صيغة، وإنما المقصود معنى مخصوص، وهو أن يسأل المسلم الله تعالى أن يتولى الصلاة على نبيه الكريم، كقولنا: «اللهم صلِّ على سيدنا محمد».
معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بيّنت دار الإفتاء أن لفظ الصلاة من الألفاظ التي تأتي على معانٍ متعددة؛ فمعناها في اللغة الدعاء، ثم نُقل لفظ الصلاة في الاصطلاح الشرعي إلى العبادة المعروفة ذات الأقوال والأفعال المخصوصة.
أما في قولنا «الصلاة على النبي»، فلها معنى خاص، وهو أن يطلب العبد من الله تعالى أن يتولى الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فسأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كيفية الصلاة عليه، فقال لهم: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»، متفق عليه.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري إن الصحابة سألوا عن صفة الصلاة التي تليق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبيّن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصيغة التي يقولونها.
هل قول «اللهم صلِّ على محمد» يعني أن المسلم يأمر الله بالصلاة على النبي؟
أوضحت دار الإفتاء أن هذا الفهم غير صحيح؛ فقول المسلم: «اللهم صلِّ على محمد» ليس من باب رد الأمر على الآمر، ولا يعني أن المسلم يأمر الله تعالى بفعل شيء، وإنما هو دعاء وسؤال من العبد لربه.
والمقصود بصلاة الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هو ثناؤه عليه وتعظيمه ورفع ذكره وإظهار فضله، بينما صلاة المؤمنين عليه هي سؤالهم الله تعالى أن يزيده من ذلك.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «المراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة»؛ أي أن المسلم لا يطلب من الله أن يبدأ الصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يسأله المزيد من التكريم والتعظيم والرفعة.
لماذا نطلب من الله الصلاة على النبي وهو يصلي عليه بالفعل؟
أشارت دار الإفتاء إلى أن الله سبحانه وتعالى أخبر في القرآن الكريم بأنه يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وهذا يدل على استمرار صلاة الله تعالى عليه.
ومن هنا فإن سؤال المسلم ربه أن يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو طلب للزيادة والاستمرار في التكريم والتعظيم، وليس طلبًا لأصل الصلاة.
وقال العلامة أحمد الصاوي المالكي في حاشيته على تفسير الجلالين إن الخلق عاجزون عن مكافأة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يليق بمقامه، ولذلك يسألون الله تعالى، وهو القادر المالك، أن يكافئه ويزيده من فضله؛ لأن الصلاة الواصلة إليه من الله تعالى لا تقف عند حد.
هل الدعاء للنبي يُعد صلاة عليه؟
فرّقت دار الإفتاء بين الدعاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين الصلاة عليه بالمعنى الشرعي الوارد في الآية.
فالدعاء له صلى الله عليه وآله وسلم، كأن يقول المسلم: «اللهم آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة»، هو دعاء مشروع، لكن الصلاة على النبي لها صيغة ومعنى مخصوص، ولذلك لا يكون كل دعاء للنبي هو المقصود بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾.
وقد علّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه كيفية الصلاة عليه، ومن أشهر صيغها الصلاة الإبراهيمية: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد...».
ما الحكمة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
أوضحت دار الإفتاء أن للصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاني وحِكمًا عديدة، من أبرزها:
أولًا: تعظيم شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فالمسلم يسأل الله تعالى أن يزيد نبيه الكريم رفعة وتعظيمًا وكرامة.
ثانيًا: الوفاء بحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فالصلاة عليه من الأعمال التي يقصد بها المسلم قضاء شيء من حقه والتقرب إلى الله تعالى بذلك.
ثالثًا: طلب المزيد من فضل الله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فصلاة الله تعالى على نبيه مستمرة، والمسلم حين يقول: «اللهم صلِّ على محمد» يسأل ربه المزيد من هذا الفضل والتعظيم.
رابعًا: أن الصلاة على النبي دعاء مخصوص
فهي ليست مجرد ثناء من المسلم، وإنما تتضمن سؤال الله تعالى أن يتولى الصلاة على نبيه الكريم.
أكدت دار الإفتاء المصرية أن قول المسلم «اللهم صلِّ على سيدنا محمد» هو الصيغة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعناها طلب العبد من الله تعالى أن يزيد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم رفعةً وتعظيمًا وثناءً وكرامة.
ولا يعني ذلك أن المسلم يطلب من الله تعالى أن يبدأ الصلاة على النبي، فقد أخبر سبحانه أنه وملائكته يصلون عليه، وإنما هو طلب للزيادة والاستمرار في هذا الفضل والتكريم.
وعليه، فإن القول بأن عبارة «اللهم صلِّ على محمد» تعني أن المسلم يأمر الله تعالى بأن يصلي على النبي، أو أنها من باب «رد الأمر على الآمر»، فهمٌ غير صحيح؛ لأن حقيقة العبارة دعاءٌ وابتهالٌ إلى الله تعالى، مع الاعتراف بعظمته وقدرته، وطلب المزيد من فضله على نبيه وحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

