رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

رحلة العائلة المقدسة بالمنيا : حينما انحنى الجبل إجلال للطفل المبارك

من دير الجرنوس إلى جبل الطير.. “الوفد” ترصد مسار العائلة المقدسة بالمنيا

رحلة العائلة المقدسة
رحلة العائلة المقدسة

إذا أردت أن ترى كف المسيح عليه السلام، وتلمس بيديك أشجارًا وجبالًا انحنت له إجلالًا وترحيبًا، فاذهب إلى المنيا، وإذا أردت أن تزور حفيد النبى محمد صلى الله عليه وسلم وتستأنس بالجلوس إلى عدد من صحابة النبى.. فاذهب إلى المنيا، وإذا حدثت نفسك برؤية أساطير فرعونية صوتًا وصورة فما عليك إلا أن تذهب إلى المنيا.

 

هنا عاش السيد المسيح، عليه السلام والسيدة العذراء، هنا ينبت السلام ترعاه الأيادى والقلوب، ويهطل الحب مدرارا، لا حدود ولا أحقاد تفرّق هذا عن ذلك، وهنا يتنامى إلى أسماعنا صوت كل الحضارات التى مرّت من هنا، وهنا أيضا وشم التاريخ أكثر ما أمكن من الرموز والنقوش؛ لتكون قرائن وشواهد وأدلّة على أن الإنسانية بمختلف أعراقها ومشاربها وهوياتها مرّت من هنا وحطّت الرحال، وجعلت من المكان مستقرّا وجنّة مقدّسة، إنك وأنت تطأ المكان لابد أن تشعر بتلك الرهبة والخشوع اللذين يغزوان داخلك احتراما لكلّ ذلك الزخم من المعالم التاريخية والدينية والإنسانية، قف واستقم واخشع فإنك فى المنيا!

 

فالمنيا ليست مجرد أرض وبشر ونيل وزرع، ولكنها سجل تاريخى ليس له مثيل، ففيها أقام الفراعنة حينا من الدهر وتركوا آثارًا ونقوشًا تحكى أساطير مثيرة.. وفيها عاش المسيح والقديسة العذراء «عليهما السلام» وتركوا آثارًا تهفو لها القلوب.. حتى أن الكف الشريفة للسيد المسيح انطبعت على أحد جبال المنيا ومازال أثرها باقيًا، وفى المنيا أيضًا آثار إسلامية نادرة.

 

كانت السماء آنذاك تخفي سرًا كبيرًا، بينما كانت الأرض تستعد لاستقبال ضيوف لم يحملوا معهم جيشًا ولا سلطانًا، وإنما حملوا رسالة سلام ورحمة، خرجت السيدة مريم تحمل طفلها المبارك، ويصحبهما القديس يوسف النجار، هربًا من بطش الملك هيرودس الذي أصدر أوامره بقتل الأطفال خوفًا على ملكه. لم يكن الهروب بحثًا عن النجاة فحسب، بل كان تنفيذًا لمشيئة إلهية اختارت مصر لتكون الملاذ الآمن.

 

و إذا كانت رحلة العائلة المقدسة إلى مصر ، قد تركت بصماتها في مدن وقرى كثيرة، فإن محافظة المنيا تبقى الصفحة الأكثر إشراقًا في هذا السفر التاريخي العظيم، فهنا لم يكن مرور العائلة المباركة عابرًا، بل امتد عبر محطات متتابعة، تنقلت خلالها بين السهول والحقول وضفاف النيل والجبال، حتى أصبحت المنيا إحدى أهم محطات مسار العائلة المقدسة، ومقصدًا للحجاج والباحثين عن عبق التاريخ وروح القداسة.

 

ومنذ أن غادرت العائلة المقدسة المعادي، استقلت مركبًا صغيرًا عبر نهر النيل، لتبدأ رحلتها نحو الجنوب. وكان النهر يومئذٍ طريق الحياة، يحمل القوافل والمسافرين بين ضفتيه، حتى بلغ الركب المبارك أولى محطاته في المنيا، حيث استقبلتهم أرضٌ ستظل تروي للأجيال قصة مرورهم المبارك.

 

دير الجرنوس... بداية البركة في أرض المنيا

كانت قرية الجرنوس، التابعة لمركز مغاغة، أول محطة للعائلة المقدسة داخل حدود محافظة المنيا، وتروي الروايات الكنسية أن العائلة شربت من بئر ما زال قائمًا حتى اليوم، وأصبح مقصدًا للزائرين الذين يأتون لاستحضار ذكرى تلك اللحظات المباركة.

وتحيط بدير الجرنوس أجواء من السكينة والهدوء، وكأن الزمن توقف عند الأيام التي مر فيها الركب المبارك. ولا يزال الدير يحتفظ بمكانته الروحية، باعتباره أول موطئ قدم للعائلة المقدسة في محافظة المنيا، وشاهدًا على بداية واحدة من أهم مراحل الرحلة.

 

البهنسا.. حيث امتزج التاريخ بالإيمان

 

ومن الجرنوس، واصلت العائلة المقدسة طريقها إلى البهنسا، المدينة التي تحمل بين جنباتها تاريخًا يمتد لآلاف السنين، والتي عُرفت لاحقًا بمدينة الشهداء لما تضمّه من مقابر لعدد كبير من صحابة رسول الله ﷺ الذين استشهدوا فيها خلال الفتح الإسلامي ، واطلق عليها " بقيع مصر الثاني "

 

وترتبط البهنسا أيضًا برحلة العائلة المقدسة، إذ تشير التقاليد إلى مرورها بمنطقة عُرفت قديمًا باسم "بيت يسوع"، وهي المنطقة التي يُعتقد أن العائلة أقامت بها خلال رحلتها، وبها بئر " مريم " والشجرة التي استظلت تحتها هي والسيد المسيح والتي أصبحت مزارا حتى يومنا هذا، وهكذا اجتمع في البهنسا تاريخ الحضارات القديمة، وذكرى العائلة المقدسة، والتراث الإسلامي، لتصبح واحدة من أكثر مدن مصر ثراءً بالتنوع الحضاري والديني.

 

جبل الطير... حين انحنى الحجر أمام الطفل المبارك

وتصل الرحلة بعد ذلك إلى جبل الطير، أحد أشهر المواقع الدينية في مصر كلها، وأبرز محطات العائلة المقدسة في المنيا. ويعلو الجبل الضفة الشرقية لنهر النيل بالقرب من مركز سمالوط، في مشهد طبيعي يأسر الأبصار، حيث تتعانق الصخور البيضاء مع زرقة السماء ومياه النهر.

وتروي الروايات الكنسية أن العائلة احتمت بمغارة في الجبل، وأن صخرة ضخمة كانت على وشك الانهيار فوقهم، إلا أن السيد المسيح أشار إليها بيده، فتوقفت في مكانها، وانطبعت كفه على الصخر، فأصبح الجبل يُعرف أيضًا باسم جبل الكف، وبقي هذا الحدث من أشهر الروايات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة.

 

وفي هذا الموضع شُيّدت الكنيسة الأثرية الشهيرة التي أصبحت مقصدًا لآلاف الزائرين سنويًا، خاصة خلال الاحتفالات الدينية، حيث يتوافد المؤمنون من داخل مصر وخارجها لاستحضار ذكرى مرور العائلة المباركة بهذا المكان الفريد.

 

الأشمونين... آخر سلام في أرض المنيا

 

وقبل أن تغادر العائلة المقدسة محافظة المنيا، حطت رحالها في الأشمونين، المدينة التي كانت في العصور القديمة من أهم المراكز الحضارية في مصر، واشتهرت بمعابدها وأسواقها ومدارسها.

وتذكر التقاليد أن العائلة المقدسة باركت أهل الأشمونين قبل أن تواصل رحلتها جنوبًا نحو أسيوط، تاركة خلفها ذكرى خالدة أصبحت جزءًا من هوية المدينة. واليوم، لا تزال الأشمونين تحتفظ بآثارها المصرية والرومانية والقبطية، في مشهد يجسد تعاقب الحضارات على أرض واحدة.

 

المنيا... متحف مفتوح لمسار العائلة المقدسة

 

ولم يكن اجتماع هذه المحطات الأربع في محافظة واحدة أمرًا عابرًا، بل منح المنيا مكانة استثنائية ضمن مسار العائلة المقدسة. فهي المحافظة التي جمعت بين النيل، والصحراء، والجبال، والآثار، والمواقع الدينية، لتصبح متحفًا مفتوحًا يروي قصة واحدة من أعظم الرحلات الروحية في التاريخ.

 

ولهذا شهدت المحافظة خلال السنوات الأخيرة مشروعات واسعة لتطوير مواقع مسار العائلة المقدسة، وتأهيلها لاستقبال الحجاج والسائحين، في إطار رؤية تهدف إلى تحويل هذا التراث الفريد إلى جسر للحوار بين الثقافات، وتعريف العالم بما تختزنه مصر من كنوز دينية وتاريخية لا مثيل لها.

 

وعندما يقف الزائر فوق صخور جبل الطير، أو يتأمل بئر الجرنوس، أو يتجول بين آثار الأشمونين، أو يمر بأرض البهنسا، يدرك أن المنيا ليست مجرد محافظة في قلب صعيد مصر، بل كتاب مفتوح تروي صفحاته قصة الإيمان والصبر والرجاء. إنها الأرض التي احتضنت العائلة المقدسة في أطول مراحل رحلتها عبر وسط مصر، فاستحقت أن تُلقب بحق بلقب مسار العائلة المقدسة، وأن تبقى إحدى أعظم محطات الرحلة التي خلدها التاريخ، وحفظتها ذاكرة الإنسانية جيلاً بعد جيل.