بين إقامة جاذبية صدقى فى الولايات المتحدة عام 1961 ورحلة كريمة كمال إليها بعد نحو عقدين، كانت مصر قد تبدّلت، وتبدّلت معها دلالة سفر المرأة المصرية إلى العالم الجديد. وصلت جاذبية فى زمن عبدالناصر محاضِرةً زائرة فى جامعة ويسترن إلينوى، تؤدى دوراً قريباً من السفيرة الثقافية لوطنها؛ أما كريمة فذهبت إلى جامعة شيكاغو لإعداد الدكتوراه، تحمل مشروعها العلمى وأسئلتها الشخصية، وتبحث عمّا يمكن أن تصنعه المرأة بحريتها بعيداً عن الوطن.
نشرت جاذبية كتابها «أمريكا وأنا» سنة 1962 وأهدته إلى مصر. وتظهر على غلافه أمام سرادق لتمثيل بلادها، تتوسطه صورة جمال عبدالناصر وعبارة «مصر مهد الحضارة». كانت واعية بأنها تمثّل وطناً يسعى إلى إثبات حضوره فى عالم مابعد الاستقلال.
لكنها لا تبدأ بالسياسة، بل بطبق السلطة. كانت تحب الخضر بلا زيت أو صلصة، فإذا بالسلطة الأمريكية غارقة فى المايونيز والصلصات! وحين طلبت طعامها كما تحبه، استجاب مضيفوها ولقبوها مازحين بـ "الأرنبة".
وسرعان ما تتحول الضحكة إلى أسى حين تتأمل وحدة النساء غير المتزوجات ومصير المسنّين، فتكتب: «العوانس منتشرات انتشاراً فظيعاً فى أمريكا. يبدو أن بلوغ الذروة فى المدنية يعنى هبوطاً من الجانب الآخر للجبل!.. فى بلد مثل أمريكا، أكبر عيب فيه: لا مكان للعجائز!"
لا تنكر جاذبية ما توفره أمريكا للمسنين من رعاية طبية دقيقة؛ لكنها ترى أن العجوز ينال الطعام والدواء ويفتقد دفء الأسرة، وتعقّب على ذلك بقولها: " يبدو أن بلوغ الذروة فى المدذية يعنى هبوطاً من الجانب الآخر للجبل."
أما كريمة كمال، فنشرت «بنت مصرية فى أمريكا» سنة 1983، حين غدت الولايات المتحدة أشد حضوراً فى الحياة المصرية. لم تذهب لعرض صورة رسمية لمصر، بل لتحصيل العلم واختبار الحرية ومراقبة المجتمع من داخله.
وتختصر رؤيتها بقولها: «أمريكا مجتمع لا يرتدى قناعاً»؛ فمزاياه وعيوبه مكشوفة معاً. الأمريكى عندها وريث مهاجرين خاضوا صراع البقاء، ولذلك يقدّس العمل والحركة، ويفكر وهو يمشى، بينما نفكر نحن طويلاً قبل أن نخطو.
لكن هذه الحيوية تورث سطحية ثقافية وشغفاً بالأحجام الهائلة، من أكواب المشروبات إلى أكياس الفشار.
لا تقع الكاتبتان فى أسر الانبهار أو فخ الإدانة؛ فكلتاهما تدخل أمريكا من باب الحياة اليومية، وترى تقدمها المادى، ثم تسأل عما يفقده الإنسان مع الوفرة والرفاهية. غير أن جاذبية تقيس الفردية الأمريكية بدفء الأسرة المصرية، فترى فيها باباً قد يفضى إلى وحدة المرأة وشيخوخة العجوز وعزلته؛ أما كريمة فتراها قوة تدفع الإنسان إلى التحرر والبحث وشق طريقه معتمداً على نفسه.
جاذبية ابنةُ المدّ القومى، تحمل مصر معها وتسأل: كيف أجعل وطنى حاضراً فى عيون الأمريكيين؟ أما كريمة، ابنةُ زمن الانفتاح، فتحمل ذاتها وتسأل: إلى أى مدى تستطيع هذه الحرية أن تقودنى؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض