ما حدث مع مدير المطعم الذي تعرض لضغوط السوشيال ميديا بعد واقعة السيدة التي أرادت الصلاة داخل المطعم، ليس مجرد «تريند» عابر، بل مشهد يستحق أن نتوقف أمامه ونسأل: متى أصبحت السوشيال ميديا هي التي تحدد لنا من المخطئ ومن المصيب؟
أنا لا أتحدث عن حق الإنسان في العبادة، فالصلاة لها مكانتها وقدسيتها، ولكننا تربينا على أن لكل شيء مكانه، وأن المسجد هو بيت العبادة، كما تربينا على احترام المكان والنظام وعدم تحويل كل موقف إلى جدال وصدام. ومن يعرف دينه جيدًا يعرف أن العبادة لا تحتاج إلى رفع الصوت أو فرض الرأي على الآخرين.
المشكلة الحقيقية ليست في السيدة ولا في مدير المطعم، وإنما في أن قرارًا إداريًا أو تصرفًا مهنيًا يمكن أن يتحول إلى أزمة لمجرد أن السوشيال ميديا قررت الهجوم.
وهنا أسأل: هل أصبح عدد التعليقات هو الذي يحدد الحق؟
إذا صفقت السوشيال ميديا قلنا: «إذن هو رائع»، وإذا هاجمت شخصًا قلنا: «إذن هو مخطئ».
أصبحنا أحيانًا نُدير أعمالنا وقراراتنا تحت ضغط الخوف من «التريند»، وليس وفقًا للقانون أو اللوائح أو حتى القناعة المهنية.
والأخطر أن ما نراه على السوشيال ميديا باعتباره «رأيًا عامًا» قد لا يكون رأيًا عامًا على الإطلاق. قد يكون مجرد أصوات قليلة، لكنها منظمة وقادرة على صناعة ضجيج كبير، وربما تكون هناك «لجان» تدفع في اتجاه معين، بينما الأغلبية الحقيقية صامتة.
وهنا يجب أن ننتبه: ليس كل من يرفع صوته يمثل المجتمع، وليس كل تريند يعبر عن الحقيقة.
نحن بحاجة إلى أن نستعيد قدرتنا على التفكير بعيدًا عن ضغط التعليقات والمشاركة وإعادة النشر.
السوشيال ميديا وسيلة مهمة للتواصل، لكنها لا يجب أن تتحول إلى سلطة فوق القانون والمؤسسات.
لا يجوز أن يصبح المسؤول خائفًا من الهجوم الإلكتروني، ولا أن يصبح الموظف قلقًا من كاميرا هاتف، ولا أن تتغير القرارات فقط لأن «الناس على السوشيال ميديا قالت».
لقد أصبحنا في أحيان كثيرة نسأل قبل اتخاذ القرار: «الناس هتقول إيه؟» بدلًا من أن نسأل: «إيه الصح؟»
وهنا تكمن الخطورة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس أن تختلف الآراء، وإنما أن نتوقف عن التفكير، ونسمح للسوشيال ميديا بأن تصبح المُخرج الذي يحدد لنا أدوارنا، ويكتب لنا الحوار، ثم يصفق لنا أو يعاقبنا حسب المشهد.
فلنستخدم السوشيال ميديا… ولكن لا نسمح لها أن تستخدمنا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض