رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

كلما بدا أن اتفاق السلام فى غزة يقترب من التحول إلى واقع، أعادته الحسابات السياسية إلى نقطة الصفر. فالعقدة لم تعد تكمن فى صياغة النصوص أو ترتيب مراحل التنفيذ، بل فى سؤال أكثر تعقيداً: هل تسمح الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية بإنجاح الاتفاق أصلاً؟ فالمفارقة أن الاتفاق الذى وُلد بعد أشهر من الوساطات الشاقة ونجح فى تحقيق اختراقات مهمة خاصة فى بند سلاح الفصائل، قد لا يسقط بسبب خلاف حول بند أو آلية تنفيذ، وإنما لأن توقيت الاتفاق يتعارض مع توقيت الانتخابات.

خارطة الطريق التى طُرحت أخيراً لم تستهدف فقط إسكات أصوات السلاح وحقن الدماء، بل رسم ملامح مرحلة سياسية جديدة فى غزة، فهى تربط بين إنهاء العمليات العسكرية، وإقامة إدارة فلسطينية انتقالية، وإعادة الإعمار، ونزع السلاح بصورة تدريجية ومتزامنة مع الانسحاب الإسرائيلى، بما يفتح الباب أمام مسار سياسى أوسع. غير أن هذه المعادلة الدقيقة اصطدمت سريعاً بحسابات الداخل الإسرائيلى. رئيس الوزراء الإسرائيلى الذى يطارده شبح فشله فى كل الجبهات؛ يُدرك أن «الانسحاب التدريجى بالتوازى مع نزع السلاح» يُعامل داخل الأوساط الإسرائيلية الأكثر راديكالية باعتباره تنازلاً مجانياً.

لكن اختزال الأزمة فى الموقف الإسرائيلى وحده سيكون قراءة ناقصة. فالولايات المتحدة، رغم تبنيها للمسار التفاوضى وهى الضامن الأول له، تتحرك هى الأخرى وفق حسابات داخلية انتخابية معقدة. إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد أن تقدم نفسها باعتبارها صاحبة اختراق تاريخى فى الشرق الأوسط، لكنها فى الوقت ذاته لا ترغب فى الدخول فى مواجهة سياسية مع حكومة إسرائيلية تخوض معركة انتخابية، بما قد ينعكس على توازنات داخلية وتحالفات استراتيجية. وهكذا يصبح الضغط الأمريكى محسوباً بدقة، كافياً لإبقاء المفاوضات حية، لكنه غير كافٍ لفرض تنفيذها. هذا التداخل بين الاستحقاقين الانتخابيين الأمريكى والإسرائيلى يفسر حالة «التجميد المتعمد» التى قد يدخلها الاتفاق. فلا أحد سوف يعلن انهياره، ولا أحد يمتلك الإرادة السياسية الكافية لتنفيذه كاملاً. 

مستقبل غزة أصبح مرتبطاً بدورات انتخابية أكثر من ارتباطه بمتطلبات السلام. وهذه ليست أزمة فلسطينية فقط، بل مؤشر على خلل أعمق فى إدارة الصراعات الدولية، حين تصبح القرارات المصيرية رهينة لاستطلاعات الرأى والحسابات الحزبية. فكلما اقتربت الانتخابات، تراجعت مساحة التسوية، وارتفعت أسهم الخطاب المتشدد، أمام الأهداف والمكاسب الانتخابية. من هنا، فإن الرهان الحقيقى لا ينبغى أن ينصب على توقيع اتفاق جديد، بل على بناء مظلة دولية وإقليمية تمنح الاتفاقات حصانة من التقلبات السياسية الداخلية. فسلام يتوقف على نتيجة انتخابات، أو يتغير بتغير الحكومة، ليس سلاماً مستداماً، بل هدنة مؤجلة. والحقيقة التى لا يمكن تجاهلها هى أن أى اتفاق لن يكتب له النجاح إذا ظل أسيراً للحسابات الانتخابية. فكل تأجيل يمنح المتشددين مساحة أوسع، وكل مماطلة تعمق الأزمة الإنسانية، وكل يوم يمر دون تنفيذ يزيد احتمالات انهيار الثقة بين الأطراف. لذلك، فإن مستقبل غزة لن يتحدد فقط بما تتضمنه خرائط الطريق أو نصوص الاتفاقات، وإنما بمدى قدرة الوسطاء، وفى مقدمتهم مصر، على تحييد أثر الانتخابات عن مسار التفاوض كما نجحت فى عزله عن البيئة الإقليمية المتوترة شديدة التعقيد خاصة جبهة الحرب الأمريكية الإيرانية، وتحويل الإرادة السياسية إلى التزام عملى. وأسفاً تبقى «خارطة الطريق» رهينة الحسابات والنتائج الانتخابية والضمانات الغائبة، ما لم تُترجم النيات الأمريكية إلى ضغوط حقيقية تفرز مساراً سياسياً عادلاً ينهى الاحتلال ويصون حقوق الشعب الفلسطينى.