"الدين والوطن واللغة".. أمين الفتوى يكشف ركائز الحفاظ على هوية الأبناء
أكد الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الحفاظ على هوية الأبناء في ظل الانفتاح الثقافي والتأثيرات المتزايدة للعالم الحديث، يبدأ من داخل الأسرة، مشددًا على أهمية بناء شخصية متوازنة تجمع بين الاعتزاز بالدين والوطن واللغة والقيم الأخلاقية الأصيلة.
وأوضح الشيخ محمد كمال، خلال حديثه ببرنامج «فتاوى الناس» المذاع على قناة الناس، اليوم الخميس، أن الهوية المصرية قامت عبر التاريخ على مجموعة من الركائز الأساسية، يأتي في مقدمتها الانتماء إلى الدين وما يحمله من قيم سمحة، والاعتزاز بالوطن وتاريخه وحضارته، إلى جانب التمسك باللغة العربية والأخلاق والعادات الأصيلة التي تشكل جزءًا أساسيًا من شخصية المجتمع.
وأشار إلى أن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا يعني التخلي عن الهوية أو الذوبان في ثقافات مغايرة، مؤكدًا أن الإنسان يستطيع التعرف على مختلف الحضارات والاستفادة من تجاربها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جذوره وقيمه ومقومات شخصيته.
القدوة الأسرية ترسخ القيم لدى الأبناء
وأكد أمين الفتوى أن الحفاظ على هوية الأبناء يبدأ من القدوة الصالحة داخل الأسرة، موضحًا أن الطفل يتعلم من السلوك الذي يراه أمامه أكثر مما يتعلم من النصائح والتوجيهات المباشرة.
وأضاف أن الأبناء عندما يشاهدون والديهم يحافظون على الصلاة، ويتعاملون بالصدق والأمانة، ويحترمون الآخرين، ويحرصون على أداء واجباتهم تجاه الأسرة والمجتمع، فإن هذه القيم تنتقل إليهم بصورة طبيعية، وتتحول مع الوقت إلى سلوك راسخ في شخصياتهم.
وشدد على أن التربية لا تعتمد فقط على الأوامر والتعليمات، وإنما تقوم بصورة أكبر على الممارسة اليومية، موضحًا أن الأسرة تمثل البيئة الأولى التي تتشكل داخلها شخصية الطفل وتتحدد من خلالها نظرته إلى الدين والوطن والمجتمع.
الانتماء الوطني يعزز شخصية الأبناء
ولفت الشيخ محمد كمال إلى أن ترسيخ الانتماء إلى الوطن يمثل أحد الأسس المهمة في بناء هوية الأبناء، مؤكدًا أن حب الوطن قيمة أصيلة، وأن الحفاظ على مقدراته وأمنه واستقراره يعد مسؤولية شرعية ووطنية.
واستشهد بموقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند خروجه من مكة، وما عبّر عنه من شدة تعلقه بوطنه، قائلًا: «ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»، معتبرًا أن هذا الموقف يعكس مكانة الوطن في نفس الإنسان، وما يمثله من ارتباط وجداني وتاريخي عميق.
وأضاف أن ارتباط الإنسان بوطنه لا ينبغي أن يقتصر على المشاعر، وإنما يجب أن يتحول إلى سلوك عملي، من خلال المحافظة على الممتلكات العامة، واحترام القانون، والمشاركة الإيجابية في المجتمع، والعمل من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية.
وأكد أمين الفتوى أن اللغة العربية تمثل ركنًا أساسيًا من أركان الهوية، موضحًا أنها ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما تعد وعاءً للفكر والثقافة والتاريخ، فضلًا عن كونها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية.
وأشار إلى أن تمسك الأسرة باللغة العربية وتعويد الأبناء على استخدامها بصورة صحيحة، يسهم في الحفاظ على جزء أصيل من شخصيتهم وهويتهم الثقافية، داعيًا إلى عدم التعامل مع اللغة باعتبارها أمرًا ثانويًا في عملية التربية.
وشدد في الوقت نفسه على أن الحفاظ على اللغة العربية لا يتعارض مع تعلم اللغات الأجنبية، مؤكدًا أن إتقان لغات أخرى يمثل قوة إضافية ويفتح أمام الأبناء آفاقًا أوسع للتعلم والتواصل والاستفادة من تجارب الشعوب المختلفة.
واختتم الشيخ محمد كمال حديثه بالتأكيد على أن بناء شخصية الأبناء في العصر الحديث يحتاج إلى تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والتمسك بالهوية، مشيرًا إلى أن اكتساب المعارف والمهارات الجديدة لا ينبغي أن يأتي على حساب الدين أو اللغة أو القيم أو الانتماء الوطني.
وأوضح أن دور الأسرة يظل محوريًا في هذه المعادلة، من خلال تقديم نموذج عملي للأبناء، وترسيخ القيم في حياتهم اليومية، وفتح المجال أمامهم للتعرف على العالم دون التفريط في جذورهم، بما يساعد على إعداد جيل قادر على التعامل مع متغيرات العصر بثقة ووعي، مع الحفاظ على هويته وثوابته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض