من خضروات وفواكه الفرز الثانى إلى كسر الجبنة وهياكل الدواجن
«أكل الغلابة» يحترق بنار الأسعار
الفول والطعمية عبء على كثير من الأسر.. والسقط والفشة والكرشة أحلام
الفواكه رفاهية لا يقدر عليها الكثيرون.. واللحوم والدواجن من المحرمات
اقتصادى: التوترات العالمية انعكست على الأسرة المصرية.. وارتفاع الأسعار أكبر المشكلات
وقفت أمام الفاكهة تبحث عن الفرز الثانى ظنًا منها أنه سيكون فى متناول يدها، سألت البائع عن سعر كيلو المانجو فجاءها الرد بـ50 جنيه، نظرت إليها لثوانى وابتسمت ابتسامة باهتة ثم همست «حتى دى غليت.. ملناش نصيب ناكل فاكهة السنة دى»، وغادرت السوق دون أن تشترى شيئًا.
لم يكن المشهد مجرد موقف عابر فى أحد الأسواق، بل واقع تعيشه الكثير من الأسر بعدما امتد الغلاء إلى الأطعمة التى كانت تمثل البديل الأقل تكلفة على موائد من فقدوا القدرة على شرائها، وأصبحت سلة الاستغناء تزداد يوما بعد يوم.
ولم يعد الأمر يقتصر على الفاكهة، أو ما يشبه الرفاهية فى ظن البعض، فمع الارتفاع المتواصل فى أسعار الغذاء، اختفت تدريجيًا من موائد كثير من الأسر أصناف كانت تعرف لسنوات بأنها «أكل الغلابة» فالبيض، والفول، والجبن، والفشة والمنبار والسقط، وحتى الخضروات والفاكهة الأقل سعراً لم تعد تشترى بنفس الكميات، بينما لجأت أسر كثيرة إلى تقليل الاستهلاك أو الاستغناء عن بعض الأصناف تمامًا، فى محاولة للتكيف مع ارتفاع الأسعار.
وتشير بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن الإنفاق على الطعام والشراب يستحوذ على النصيب الأكبر من ميزانية الأسر، خاصة منخفضة الدخل، وهو ما يجعل أى زيادة فى أسعار الغذاء تنعكس مباشرة على موائدها.
«حتى رجول الفراخ غليت»
وتقول أم محمد، 55 عاماً، ربة منزل، «الدنيا بقت صعبة أوى وكل يوم بنصحى على سعر جديد، زمان كنا لو مقدرناش نجيب لحمة أو فراخ كنا نتصرف بالعفشة وكانت حاجات رخيصة وفيه منها اللى كان الناس بتسيبه أو بتديه للقطط والكلاب، النهاردة حتى الحاجات دى بقت بفلوس، ولو رحت أشتريها ألاقى سعرها غلى، وبقيت أحسب هتكفينى كام يوم قبل ما أمد إيدى، بقينا نغير فى الأكل ونلغى حاجات كتير من البيت، والفاكهة واللحمة بقينا منشوفهاش غير كل فين وفين، كل اللى بنفكر فيه دلوقتى إننا نمشى اليوم ونشبع العيال، لكن الأكل اللى كنا بنعتبره بسيط ورخيص مبقاش موجود بالسعر اللى نقدر عليه».
وفى أحد اتوبيسات النقل العام، جلس الحاج أشرف، الذى يستعد للخروج إلى المعاش بعد سنوات طويلة من العمل، يتحدث بحسرة عن الأيام المقبلة يقول: «الناس فاكرة إن اللى بيطلع معاش هيرتاح، لكن الحقيقة إن المعاش مبقاش يكفى، أنا عندى بيت وأولاد، ومضطر أنزل أدور على شغل تانى بعد المعاش عشان أعرف أصرف عليهم بدل ما أقعد أرتاح بعد العمر ده كله، بقيت بفكر هجيب مصاريف البيت منين».
ويضيف: «بقينا نحسب الأكل بالورقة والقلم، كرتونة البيض بقت حمل، ولولا أن سعرها نزل الفترة اللى فاتت ماكناش هنعرف نجيبها، وجبة فطار بسيطة لأسرة من خمسة أفراد، فيها فول وطعمية وجبنة وبيض وعيش، بقت تكلف أكتر من 100 جنيه، وده غير الغدا والعشا وباقى مصاريف البيت»، وأضاف: «اللى كان زمان أكل الغلابة، النهاردة بقى محتاج حسابات قبل ما يتحط على السفرة».
نصف الثمن ونصف الجودة
ويقول عم سيد، بائع خضار وفاكهة بمنطقة السيدة زينب، إن كثير من الزبائن غير قادرين على شراء الفاكهة أو الخضروات من «الفرز الأول»، لذلك يعرض عليهم شراء «الفرز الثاني» الأقل سعرا قائلا «لما ألاقى الزبون واقف متردد ومش معاه فلوس، بقوله «خد من الفرز التانى، هيوفر معاك. الطماطم الفرز الأول بـ10 جنيهًا، بينما الفرز الثانى بـ5 جنيهًا، وأحيانًا أقل من كده».
وتابع أن الأمر لا يقتصر على الطماطم، فالبصل يصل سعره 15 جنيهًا فرز اول، فى حين يباع الفرز الثانى منها بـ7 جنيهًا، أى ما يقارب نصف السعر.
أما التفاح فيصل إلى 50 جنيهًا، مقابل 35 جنيهًا للفرز الثانى، وهو ما يدفع أصحاب الدخل المحدود إلى الإقبال عليه رغم وجود أجزاء تالفة فى بعضها.
وتقاطعه الحاجة عفاف قائلة: «الفاكهة دلوقتى بقت من الرفاهيات، ومبقيناش نعرف نشتريها زى زمان. ولما بحب أجيب حاجة للبيت، بشترى الفرز التانى، صحيح بيكون فيه أجزاء بايظة، لكن بنشيلها ونعمل الباقى عصير، أهو العيال تدوق طعم الفاكهة بدل ما يتحرموا منها خالص».
وتقول منى، ربة منزل، وأم لثلاثة أبناء: «إن الأكل بقى بياخد أغلب دخل البيت حتى عيش التموين مبقاش مكفى، وبنضطر نشترى عيش من الفرن كل يوم، وكل حاجة بقت لها حساب. وجبة الفطار لوحدها بقت مكلفة، فول وطعمية وبيض وعيش، ولسه الغدا والعشا، غير مصاريف المدارس والدروس والعلاج لو حد تعب».
وتتابع: «زمان كنا نعمل حلة عدس أصفر مع بطاطس مسلوقة وحبة باذنجان، ونقول الحمد لله قضينا اليوم كانت أكلة بسيطة وتشبع البيت كله، إنما النهاردة حتى الأكلات اللى كنا بنسميها أكل الغلابة بقت مكلفة، وكل يوم بنشيل صنف من على السفرة عشان نعرف نكمل الشهر، إحنا دلوقتى بقينا ندور على كسر الجبنة، وكسر الجاتوه لو العيال نفسهم فى حاجة حلوة، وأى حاجة سعرها أقل، زمان كنا نشترى الحاجة وهى كاملة، دلوقتى بقينا نسأل عن الأرخص، حتى لو فيها عيب أو شكلها مش حلو، المهم تمشى حال البيت».
الضحية الصامتة للغلاء
وقال خالد إسماعيل، المستشار الاقتصادى، إن ارتفاع الأسعار أصبح القضية الأكثر تأثيرًا على معيشة الأسر المصرية، موضحًا أن الهدف الأساسى لأى حكومة هو تحسين مستوى معيشة المواطنين، إلا أن الأزمات العالمية والمحلية المتلاحقة فرضت تحديات كبيرة على تحقيق هذا الهدف.
وأضاف أن الاقتصاد المصرى تأثر منذ جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من اضطرابات فى سلاسل الإمداد، وصولًا إلى أزمات الطاقة والتوترات الإقليمية، وهو ما انعكس على معدلات التضخم وأسعار السلع الأساسية.

وأوضح أن التضخم وصل إلى مستويات مرتفعة خلال عامى 2023 و2024، ما أدى إلى زيادات كبيرة فى أسعار السلع الغذائية الأساسية، مثل الأرز والسكر والزيت واللحوم، كما ساهم تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية فى زيادة تكلفة استيراد الغذاء والمواد الخام، خاصة مع اعتماد مصر على استيراد جزء من احتياجاتها الأساسية.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء أدى إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والتشغيل، وهو ما انعكس على أسعار مختلف السلع والخدمات، مؤكدًا أن الأسر أصبحت تواجه تآكلًا واضحًا فى القوة الشرائية للدخل.
وأكد أن الطبقة المتوسطة اضطرت إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والتخلى عن كثير من أوجه الإنفاق غير الأساسية، مع التركيز على الغذاء والتعليم والصحة، كما اتجهت إلى شراء بدائل أقل جودة وأقل سعرًا، رغم أن هذه البدائل لم تعد رخيصة كما كانت فى السابق.
وأضاف أن الفئات الأكثر فقرًا كانت الأكثر تضررًا، إذ أصبحت غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية من الغذاء والسكن والمواصلات، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى تقليل الاستهلاك والتقشف فى أبسط متطلبات الحياة، لافتًا إلى أن تقارير دولية تشير إلى أن نحو 33% من السكان يقعون ضمن دائرة الفقر، وهو ما يتطلب استمرار الجهود لخفض هذه النسبة خلال السنوات المقبلة.
وشدد على أهمية برامج الحماية الاجتماعية، مثل الدعم التموينى وبرنامج «تكافل وكرامة»، إلى جانب توفير السلع الأساسية عبر المنافذ الحكومية، باعتبارها أدوات لتخفيف آثار التضخم على الفئات الأكثر احتياجًا، مؤكدًا أن مواجهة الأزمة تتطلب أيضًا دعم المشروعات الصغيرة، وزيادة فرص الإنتاج، والحد من الزيادة السكانية، وتشديد الرقابة على الأسواق لمواجهة الممارسات الاحتكارية وضبط الأسعار.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن تراجع معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا باستقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية، معربًا عن أمله فى أن تنعكس أى معدلات انخفاض فى التضخم على استقرار الأسعار وتحسين مستوى معيشة المواطنين، خاصة أن استمرار الغلاء لا يؤثر فقط على حاضر الأسر المصرية، بل يمتد أثره إلى مستقبل الأجيال القادمة.
فاتورة الحرمان الغذائى
من ناحية أخرى شرح الدكتور وجدى جرجس، استشارى الأطفال وحديثى الولادة، خطورة هذا الوضع على الصغار، موضحا أن هذه الفئة هى التى تدفع فاتورة الحرمان الغذائى من صحتها، مشيرا إلى أن التغذية السليمة خلال السنوات الأولى من عمر الطفل تمثل حجر الأساس للنمو الطبيعى، وأوضح أن البروتينات الحيوانية مثل البيض والأسماك والألبان، إلى جانب الفواكه والخضروات ليست رفاهية، بل عناصر أساسية لبناء العظام والعضلات والمناعة وتطور المخ.

وأضاف أن اضطرار بعض الأسر إلى تقليل هذه الأغذية أو الاستغناء عنها بسبب الظروف الاقتصادية قد ينعكس على صحة الأطفال إذا استمر لفترات طويلة، إذ يزيد من احتمالات سوء التغذية، وضعف النمو، ونقص بعض الفيتامينات والمعادن مثل الحديد والكالسيوم وفيتامين (د)، وهو ما قد يؤثر على القدرات البدنية والذهنية للطفل.
وأشار إلى أن استمرار الحرمان من الغذاء المتوازن قد يعرض الأطفال للإصابة بعدد من الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، من بينها الكساح نتيجة نقص فيتامين (د) والكالسيوم، وفقر الدم بسبب نقص الحديد، والتقزم إلى جانب أمراض نقص البروتين والطاقة مثل الكواشيوركور والمارازماس، كما قد يؤدى نقص فيتامين (أ) إلى الإصابة بالعمى الليلى، ونقص فيتامين (ج) إلى مرض الإسقربوط.
وأكد أن خطورة هذه المشكلات لا تتوقف عند مرحلة الطفولة، بل تمتد آثارها إلى المستقبل، إذ قد تؤثر فى النمو الجسدى والذهنى والقدرة على التعلم والإنتاج، مشددًا على أن الاستثمار فى تغذية الأطفال هو استثمار فى صحة المجتمع ومستقبل أجياله، وداعيًا إلى دعم الأسر الأكثر احتياجًا لضمان حصول أطفالها على غذاء متوازن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض