«بناء الإنسان على رأس أولويات الدولة» هى الرواية البائسة فى سردية الحكومة، فقد أكد رئيس وزرائها الدكتور مصطفى مدبولى مراراً وتكراراً أن بناء الإنسان يأتى فى المقدمة، مستدعياً تلك العبارة وهذه التأكيدات المشددة خلال مناسبات متنوعة، فيكون تطوير قطاعات التعليم والصحة من أجل هذا البناء، ويصبح مقر القيادة الاستراتيجية صرحاً يجسد أهداف الدولة فى بناء الإنسان المصرى وتعظيم قدراته، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن العنصر البشرى هو الركيزة الأساسية لمسيرة التنمية الشاملة.
إذا كانت تلك المعانى هى ما تؤمن به الحكومة قولاً، فلماذا دمرت أفعالها هذا العنصر البشرى الذى تصفه بأنه الركيزة الأساسية لمسيرة التنمية؟ وليكن السؤال بصيغة أكثر وضوحاً: لماذا يرى الكثيرون من المصريين أن الحكومة دمرت حياتهم، وخربت بيوتهم؟ الإجابة عن السؤال تكون بسرد أسباب هذا التدمير ومن المتسبب فى هذا الخراب.
لنجد دون عناء أن ارتفاع الأسعار وتوحشها، واستهداف جيب المواطن، والعجز عن تلبية متطلبات الحياة الأساسية من مأكل ومشرب وملبس وتعليم وصحة.. إلخ، هو السبب الرئيس فى تدمير حياة الغالبية العظمى من المصريين وخراب بيوتهم، وما يترتب على هذا الشعور بالعجز والإذلال من آثار نفسية واجتماعية مدمرة للأسرة المصرية، ليأتى السؤال: من المتسبب فى هذا الارتفاع الجنونى للأسعار وفقدان القيمة الشرائية للجنيه؟ فتكون الإجابة سهلة واضحة كاشفة بأن سياسات الحكومة وأولاها برامج رفع الدعم عن الوقود والطاقة هى المتهم الأول.
الفصل الأكثر بؤساً من الرواية، تراه فى مرحلة التبريرات الحكومية، فمثلاً بعد إعلان وزارة الكهرباء مؤخراً زيادة تعريفة التيار المنزلى 12% تقريباً، قال متحدث الوزارة إنه لم تكن لدينا بدائل سوى هذا «الرفع» فى ظل الأحمال المرتفعة بسبب ارتفاع درجات الحرارة غير المسبوقة، ثم يأتينا موضحاً خلال مداخلة هاتفية مع أحد البرامج المتلفزة؛ ليشرح لنا العبء الكبير الذى تتحمله الدولة فى قيمة الفواتير الإجمالية، وإمعاناً فى هذا التدمير النفسى يختتم حديثه الهاتفى بأن رضا المواطن هو معيار النجاح لديهم، ونحن نقول له إن المواطن الذى تتحدث عنه ليس راضياً عنكم، فماذا أنتم فاعلون؟!
ربما يقول أحدهم مدافعاً، إن الحكومة قامت برفع الحد الأدنى للأجور لتصل قيمته إلى «8 آلاف جنيه» ليتواكب مع هذا الغلاء أليس هذا كافياً؟، لتأتى الإجابة بالنفى؛ لأن هذا «الحد الأدنى» هو أحد «فخاخ» الحكومة فى خراب البيوت، لأنه سوف يتم تطبيقه على العاملين بالجهاز الإدارى للدولة والهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الأعمال العام مع مراعاة الدرجات الوظيفية، أما القطاع الخاص وهو الشريحة الأكبر، فسوف يدخل فى حرب البقاء بين العامل والمالك، صراع حياة أو موت بين الموظف وصاحب المنشأة، وسوف تكتفى الجهات الحكومية بتطبيق الغرامات على المخالفين؛ لتكون النتيجة إما الرضوخ والاستسلام والقبول جبراً برواتب متدنية، وإما إشهار سلاح الإفلاس والإغلاق.. وكلا الخيارين تدمير حياة وخراب بيوت.
الخلاصة: إن المواطن ليس فى أولويات الحكومة، وإن سياساتها الاقتصادية دمرت حياته وخربت بيته، ولسان حاله يردد أبيات «بيرم التونسى»:
ليه أمشى حافى، وأنا منبت مراكيبكم
ليه فرشى عريان، وأنا منجد مراتبكم
ليه بيتى خربان، وأنا نجار دواليبكم
هى كده قسمتى؟
الله يحاسبكم!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض