رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

الحكاية رواها أحمد بهاء الدين فى كتابه الأشهر «محاوراتى مع السادات»، وأحسبه رحمه الله كاتباً نبيلاً وصادقاً ووطنياً، وأتصور أن ذلك الكتاب من أروع وأهم الكتب التى ينبغى لأى مهموم بشئون الدولة والسياسة وكواليس صناعة القرار قراءته.

كان الرئيس أنور السادات يعتبر محمد رضا بهلوى شاه إيران قدوته ومثله الأعلى. وفى منتصف السبعينيات كانت إيران حاضرة بقوة فى المنطقة بسياستها ونفوذها وتأثيراتها، وبالغت الدعاية الغربية فى التغنى بمظاهر العمران والتقدم فيها، وهو ما دفع أحمد بهاء الدين لأن يمر عليها خلال جولة خليجية صحفية كان يقوم بها. ولما كان أمامه أربعة أيام لحين العودة للقاهرة خطر بباله أن يحاول، رغم الصعوبة الشديدة، أن يلتقى شاه إيران ويجرى معه حواراً. وشعر بأن ذلك مستحيلاً، فلم يلتقِ الشاه من قبل، ولا الشاه يعرفه، كما أن العلاقات بين مصر وإيران اتسمت بالبرود والنفور السياسى. وقرر المحاولة من باب المحاولة، فذهب إلى وزير الإعلام الإيرانى وسأله إن كان ذلك ممكناً خلال فترة مكوثه، فرد الرجل بأنه مستحيل، لكنه فاجأه بعد دقائق بإخباره بأن الشاه ينتظره بعد أربع ساعات فقط. وبالفعل ذهب، وكتب عن ذلك بعد عودته.

وبعد أيام التقى الكاتب بالرئيس أنور السادات، الذى سأله باهتمام عن زيارته لطهران، ولقائه بالشاه. وقال السادات واصفاً الشاه: إنه رجل خارق الذكاء، فكره الاستراتيجى شديد التفوق، وهو مثلى الأعلى بين قادة العالم الثالث.

واستغرب الكاتب رؤية الرئيس، فسأله عن السبب، فأجاب: إن زعماء عدم الانحياز الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً لسنوات فقدوا الدعم الحقيقى. وأين هم الآن؟ اللى مات واللى انهزم واللى راح فى انقلاب واللى انكمش. والوحيد اللى بقي على مقعده هو الشاه، والسبب بسيط جداً وهو أنه آمن بوجود قوة واحدة فى العالم هى أمريكا، وروسيا ليست قوة عظمى ثانية وإنما تأتى بعد أمريكا بعشرين درجة.

وأضاف السادات شارحاً «قعد على حجر أمريكا ومسك في هدومها، وهما ساندوه، ولما قامت ثورة ضده في الخمسينيات وهرب لإيطاليا ساندوه ورجعوه تانى».

وحسبما أورد «بهاء الدين»، فإنه قال للرئيس: إن شاه إيران رجل ذكى بالفعل، لكن السؤال هو فى أى شىء يستخدم ذكاءه، فقد أدهشنى أن أجد طهران وهى عاصمة البترول فى أحيائها الشعبية أفقر من القاهرة. ومجاريها مفتوحة، والناس فى عز الشتاء يسيرون بملابس مهلهلة، ومنظر الحفاة على الجليد شديد القسوة، والدعاية الغربية لها كاذبة. ومثل هذه الأنظمة هشة، لا تحتمل هزات طارئة.

وبعد سنوات قليلة، صدقت نبوءة الكاتب فى إيران، إذ اتسع البذخ لدى الطبقة الحاكمة، وذاع البؤس والحرمان، وتفشى الفساد، وصارت أجهزة الأمن أكثر قمعاً. وبدأ الغضب الشعبى العارم فى أكتوبر 1977، واضطر الشاه إلى المغادرة، وخابت توقعات السادات بأن يعيد الأمريكيون الشاه إلى عرشه، بل عاد خصمه اللدود، آية الله الخومينى إلى طهران ليختطف الثورة من أيدى القوى المدنية التى قامت بها، ويؤممها لصالح المتأسلمين.

وبقيت الحكاية درساً لمن يريد أن يعتبر، فلا أهمية للدعاية الدولية بتقدم أو تطور نظام ما لم يكن ذلك محسوساً لدى فئات الشعب الدنيا، ولا قيمة لمساندة الدول الكبرى، لأن المساندة الحقيقية تأتى من الشارع، الناس.

والله أعلم

 

[email protected]