رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يضعنا حدثٌ بحجم استهداف ميناء دمياط بطائرة مسيرة أمام معضلة إعلامية مكررة، ولكنها مفصلية: أيهما أسبق إلى عقل المواطن؟ السرعة أم الحقيقة؟ بينما تبارت الصفحات والمنصات غير الرسمية فى ملء الفراغ بالروايات والتكهنات اللحظية، لزم الإعلام الرسمى صمتًا مؤقتًا بدا لنا بطيئًا، قبل أن يخرج ببيان مقتضب وحاسم من مجلس الوزراء يعلن أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الحادث نتج عن طائرة مسيرة مجهولة المصدر، مع استمرار التحقيقات واستكمال الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومى. هذا التباين بين التسرع والتريث يضعنا مجددًا أمام الاستفهام المتكرر عقب كل أزمة: لماذا يتأخر الخبر الرسمي؟ هنا مسيرة دمياط تجيب عن هذا التساؤل. وقبل أن نحكم ونقرر وننطلق فى التحليلات علينا أن نعى الفارق ما بين الإعلام الرسمى والإعلام غير الرسمى، فالإعلام الرسمى يمثل أداة سيادية محكومة بتبعيته لمؤسسات الدولة، يضحى بالسرعة لصالح الدقة، ويعتمد التدقيق، والمسئولية القانونية للحفاظ على الأمن القومى وإصدار الرواية المعتمدة ما يجعله أبطأ نسبيًّا. بينما الإعلام غير الرسمى يعتمد على السرعة الفائقة والتغطية الحية الفورية للأحداث للوصول إلى الجمهور أولًا، محكومًا برهانات السبق الصحفى، والربح التجارى. تأخر الإعلام الرسمى هو ثمن الدقة والمسئولية القانونية؛ الأزمة الحقيقية تظهر فقط عندما يتأخر الإعلام الرسمى بشكل مبالغ فيه يترك مساحة فارغة للشائعات والذعر قبل تداركها.

لكن ما وقع فى دمياط هو عمل من صميم أعمال الدولة وإعلامها الرسمى. وبعيدًا عن اجتهادات مواقع التواصل الاجتماعى، وعن الذين سارعوا وتطوعوا بالنفى أو الإثبات، بيان وزارة البترول الأول لم يقل إن الحادث عرضى، ولم ينفِ وجود مسيرة، ولم يحدد سببًا من الأساس. كل ما قاله ببساطة أن هناك حريقًا، والجهات المختصة تتعامل معه، والتحقيقات جارية. وهذا هو التصرف المهنى الصحيح. ففى مثل هذه الوقائع، لا تُبنى المواقف الرسمية على التسريبات أو تقديرات المحللين أو ما تنشره وكالة هنا أو موقع هناك، وإنما على نتائج المعاينة والتحقيقات الفنية. وبعد أن أصبحت لدى الدولة معلومات أولية موثقة، خرج بيان مجلس الوزراء ليعلنها للرأى العام.

قد يرى البعض أن الفاصل الزمنى بين البيانين كان يمكن أن يكون أقصر، وهو رأى قابل للنقاش، لكن الأهم من توقيت البيان هو منهجيته؛ فالدولة تحدثت أولًا بما تعلم، ثم أعلنت ما توصلت إليه التحقيقات، دون قفز على الحقائق أو مجاملة للرأى العام أو خضوع لضغوط اللحظة. نحن نعيش فى منطقة تشهد أعلى مستويات التوتر منذ سنوات، وصراعات مفتوحة، وحروبًا متعددة المستويات، ومحاولات مستمرة لخلط الأوراق وإعادة رسم خرائط النفوذ. ومنذ اندلاع الحرب فى غزة، ثم اتساع رقعة المواجهات الإقليمية، لم تتوقف محاولات جر مصر إلى مسارات لا تخدم مصالحها الوطنية. ولهذا، فإن إدارة الأزمة لا تقل أهمية عن الأزمة نفسها.

وأقولها بوضوح اتركوا منشورات مواقع التواصل جانبًا، ولا تنساقوا وراء الأصوات التى تحاول ابتزاز الدولة تحت عناوين البطولة الزائفة أو الحماسة المصطنعة. فهناك، للأسف، حملات موجهة لا يشغلها سوى دفع مصر إلى ردود فعل تخدم أجندات لا تخدم المصالح المصرية. الدول الكبيرة تعرف متى ترد، وكيف ترد، وبأى أدوات ترد. ومصر دولة كبيرة، بل أكبر بكثير مما يتمنى البعض.