رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

شجرة مريم : ذكرى الرحلة الإلهية للعائلة المقدسة بالمطرية وعين شمس

المطرية وعين شمس... حين أظلّت شجرة مريم العائلة المقدسة وتفجّر نبع البركة

رحلة العائلة المقدسة
رحلة العائلة المقدسة

تتباين المدن في شهرتها، لكن هناك أماكن صنعت مجدها من لحظة صمت، ومن ظل شجرة، ومن قطرة ماء خرجت لتروي عطش المسافرين، ومن بين هذه الأماكن تبرز المطرية وعين شمس، الواقعتان في قلب القاهرة الكبرى، اللتان احتفظتا عبر القرون بذكرى واحدة، من أجمل محطات رحلة العائلة المقدسة في مصر، حتى أصبحتا مقصدًا للحجاج المسيحيين والزائرين من شتى بقاع العالم.

 

كانت السماء آنذاك تخفي سرًا كبيرًا، بينما كانت الأرض تستعد لإستقبال ضيوف لم يحملوا معهم جيشًا ولا سلطانًا، وإنما حملوا رسالة سلام ورحمة. خرجت السيدة مريم تحمل طفلها المبارك، ويصحبهما القديس يوسف النجار، هربًا من بطش الملك هيرودس الذي أصدر أوامره بقتل الأطفال خوفًا على ملكه. لم يكن الهروب بحثًا عن النجاة فحسب، بل كان تنفيذًا لمشيئة إلهية اختارت مصر لتكون الملاذ الآمن.

 

بعد أن غادرت العائلة المقدسة وادي النطرون، واصلت رحلتها نحو الجنوب الشرقي حتى بلغت منطقة عين شمس، التي كانت تُعرف في مصر القديمة بمدينة الشمس، إحدى أعظم المدن الدينية في الحضارة المصرية القديمة، ومركزًا للعلم والعبادة منذ آلاف السنين. وفي هذا المكان، التقت عراقة الحضارة المصرية بقدسية الرحلة المباركة، ليُكتب فصل جديد في سجل التاريخ.

 

وتروي التقاليد الكنسية أن العائلة المقدسة استراحت تحت شجرة في هذه المنطقة، فصارت تُعرف عبر الأجيال باسم "شجرة مريم"، وغدت رمزًا للمحبة والأمان. ويُروى أيضًا أن الطفل المبارك أنبع في المكان عينًا للمياه العذبة، فشربت منها العائلة، وغسلت السيدة مريم ثياب طفلها، لتتحول تلك العين إلى موضع يقصده المؤمنون طلبًا للبركة، ويصبح الماء شاهدًا آخر على الرحلة التي غيرت وجه المكان.

 

ولم تكن الشجرة مجرد ملاذ من حرارة الشمس، بل أصبحت رمزًا للحماية والسكينة، حتى إن اسمها ارتبط بالمكان نفسه، وبات الزائرون يأتون إليها وهم يستحضرون صورة الأم التي جلست تستريح تحت أغصانها، بعد رحلة أنهكها التعب والخوف، بينما كان الطفل المبارك ينام في حضنها مطمئنًا إلى عناية الله.

 

وعلى مر العصور، تعاقبت الأجيال، وتبدلت معالم المنطقة، لكن ذكرى الشجرة بقيت حاضرة. وقد زُرعت في الموقع أشجار متعاقبة للحفاظ على هذا الرمز التاريخي، في حين ظل المكان يحتفظ بمكانته الروحية، باعتباره إحدى أهم محطات مسار العائلة المقدسة في مصر.

 

كما تشتهر المنطقة أيضًا بـ بئر العائلة المقدسة، الذي ارتبط بالروايات الكنسية عن إقامة العائلة في هذا الموضع، إلى جانب عدد من الكنائس التاريخية التي تستقبل الزائرين من داخل مصر وخارجها، ليظل المكان شاهدًا على امتزاج التاريخ بالإيمان، والحضارة بالروحانية.

 

وفي السنوات الأخيرة، شهدت المطرية وعين شمس أعمال تطوير واسعة ضمن المشروع القومي لإحياء مسار العائلة المقدسة، شملت تحسين المنطقة المحيطة بالمواقع التاريخية، وتطوير الخدمات المقدمة للزائرين، بما يعكس اهتمام الدولة بإبراز هذا التراث الإنساني الفريد، الذي يجمع بين القيمة الدينية والأثرية والسياحية.

 

وعندما يقف الزائر اليوم أمام شجرة مريم، أو يتأمل مياه البئر التاريخية، يشعر أن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة التي جلست فيها العائلة المقدسة تستريح من عناء السفر. فلا يرى مجرد شجرة أو بئر، بل يقرأ في المكان قصة أمٍ احتضنت طفلها في رحلة الهروب، وأرضٍ احتضنت الغرباء حتى صاروا جزءًا من ذاكرتها الخالدة.

 

وهكذا بقيت المطرية وعين شمس من أكثر محطات رحلة العائلة المقدسة إشراقًا في الوجدان المصري، لأنها جمعت بين قدسية المكان وعظمة التاريخ، ولأنها تؤكد أن مصر لم تكن مجرد محطة في طريق الهجرة، بل كانت وطنًا للأمان، وملاذًا للسلام، وأرضًا باركتها خطوات العائلة المقدسة، فخلدت ذكراها في قلوب المؤمنين، كما خلدتها في صفحات التاريخ.