حقيقة الرجاء.. هل يكفي حسن الظن بالله دون عمل وتوبة؟
حقيقة الرجاء في الإسلام لا تعني مجرد التمني أو انتظار المغفرة دون عمل، وإنما تقوم على الجمع بين حسن الظن بالله، والأخذ بالأسباب، والتوبة الصادقة، وحقيقة الرجاء لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالطاعة والاستغفار والسعي إلى رضا الله.
الرجاء والخوف جناحا السير إلى الله
أوضح الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الجمهورية السابق، أن الرجاء والخوف بمنزلة جناحين يطير بهما المؤمن في طريقه إلى الله، فلا يستقيم سير الإنسان بالخوف وحده ولا بالرجاء وحده، لأن الخوف إذا خلا من الرجاء أورث اليأس والقنوط، بينما يؤدي الرجاء إذا خلا من الخوف والعمل إلى التواكل والغرور.
وأضاف أن الخوف هو تألم القلب مما يُخشى، أما الرجاء فهو ارتياح القلب لانتظار ما يحبه الإنسان ويرجوه من فضل الله ورحمته.
ما حقيقة الرجاء؟
وبيّن أن حقيقة الرجاء ليست أمنية يتمنى بها الإنسان المغفرة وهو مقيم على المعصية، وإنما هي انتظار فضل الله بعد بذل الأسباب المشروعة، ثم تفويض الأمر إليه سبحانه.
وأشار إلى أن من يترك الصلاة، ويتبع هواه، ويصر على الذنوب ثم يقول: "إن الله سيغفر لي"، فهذا ليس رجاءً حقيقيًا، وإنما تمني وغرور، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
كما استشهد بالبيت الشهير: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس
لا تقنطوا من رحمة الله
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن رحمة الله واسعة، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، مبينًا أن المقصود بالآية هو دعوة العباد إلى التوبة والرجوع إلى الله والاستغفار، لا الاستمرار في المعاصي.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحسن الظن بالله، فقال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، كما قال فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي».
اجتماع الخوف والرجاء طريق النجاة
وأشار علي جمعة إلى الحديث الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم على رجل في مرض موته، فسأله عن حاله، فقال: "أرجو الله وأخاف ذنوبي"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف».
وأكد أن الخوف يمنع الإنسان من الوقوع في المعصية، بينما يدفعه الرجاء إلى التوبة والعمل الصالح، ولا يكتمل سير العبد إلى الله إلا باجتماعهما.
الإسلام يدعو إلى الوسطية
وشدد على أن الإسلام دين الوسطية، فلا يدعو إلى الإفراط في الرجاء حتى يترك الإنسان العمل، ولا إلى المبالغة في الخوف حتى يقع في اليأس والقنوط.
واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، مؤكدًا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة الكاملة في تحقيق التوازن بين الخوف والرجاء.
واختتم علي جمعة حديثه بالتأكيد على أن حقيقة الرجاء هي التي تدفع الإنسان إلى العمل الصالح، والتوبة، والاستغفار، وعدم اليأس من رحمة الله، أما الرجاء الذي يبرر الكسل والإصرار على المعصية فليس من الرجاء المشروع، داعيًا المسلمين إلى الجمع بين العمل الصالح، وحسن الظن بالله، والخوف من التقصير، لأن الله سبحانه وتعالى واسع المغفرة، يقبل توبة من صدق في الرجوع إليه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض




