نور
فى مطلع شبابنا، عندما كنا طلابًا يافعين، كانت الجملة التى نرددها وسط زملائنا فى الجامعة، ونذكرهم يوميًا بها، هى أن إسرائيل لديها مشروع لن تتنازل عنه.. المشروع هو«إسرائيل الكبرى من النيل للفرات». حينها كنت أعتقد أن تحقيق هذا المشروع يجد مقاومة فريدة بفعل الوعى العربى الرافض للمنهج والفكر والثقافة القائمة على التوسع الصهيونى على حساب الأرض العربية، وكنا نحضر، فى القاهرة، فعاليات وحفلات يشارك فيها رجال المقاومة العربية من مصر وفلسطين ولبنان وسوريا وبلدان أخرى، كنا نطاردهم لنتلقى منهم حكايات المقاومة فى مواجهة المشروع الصهيونى.
ولن أنسى حفلًا غنائيًا نظمناه- نحن الطلبة الوفديين- فى جامعة القاهرة سنة 1988، أحياه المطرب المناضل عدلى فخرى، والذى كان عائدًا من لبنان، بعد مشاركته المقاومة الفلسطينية- نشاطها- وكانت مشاركته عبارة عن «الغناء الحماسى لهم».. وقد سألناه جميعًا فى جلسة ودية بعد الحفل الذى أقيم بمسرح كلية الحقوق: لماذا ذهبت لبيروت يا أستاذ؟ أنت لست لبنانيًا ولا فلسطينيًا محاصرًا؟ كان رد عدلى فخرى مُلفتًا جدًا.. قال: يا أولاد.. ذهبت إلى لبنان لأدافع عن القاهرة لأن المشروع الصهيونى مُمتد من النيل للفرات!! قلنا له لكنك لست مُقاتلًا.. فقال لنا: عودى هو سلاحى وصوتى هو ذخيرتى!
درس مهم يؤكد أن المشروع التوسعى الإسرائيلى لا يقتصر على بلد أو دولة أو شعب.. هو مشروع يستهدف كل الناطقين بالعربية، ويسعى للاستيلاء على أراضى كل البلدان الواقعة بين النهرين!
حكاية عدلى فخرى هى مفتاح الوعى الذى غاب عن معظم العرب، فلم يعد يدرك حجم المخاطر، إلا من رحم ربى، ولم يعد يفهم متطلبات الأمن القومى العربى سوى بلدان تعمل بجهد مضاعف فتُصدر آلات التنبيه وتحذر وتتكلم مع أشقائها فى دعوة للتضامن، وتعمل بسعى محمود ولكن نجاحه يتوقف على فهم باقى العُصبة لحجم الأخطار!
إسرائيل تمارس فى المشرق العربى تصرفات تؤكد إصرارها على المشروع الذى تم إنشاؤها على أساسه.. وهو التوسع والاستيلاء على الأرض العربية بالقتل والعنف والمذابح.. فقد استولت على أراضٍ جديدة فى سوريا، وعاودت الاستيلاء على جنوب لبنان وترفض الخروج منها، وحاولت الاستيلاء على غزة للأبد وفشلت- بفعل الصلابة المصرية- فقامت بتحويل هدفها فى فلسطين إلى الضفة الغربية التى تُغتصب أراضيها لحساب المستوطنين!
المشروع الصهيونى ما زال حيًا، وتستطيع أن تفهم من كلام رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، فى تصريحاته قبل وصوله للولايات المتحدة بالأمس أن الحرب الدائمة والغزو والاستيلاء على أراضى الغير هى سياسة إسرائيلية لن تتوقف، فقد قال: لن نخرج من جنوب لبنان أو سوريا ولن نوقف حصار غزة.. ولن نخضع لضغوط الرئيس الأمريكى ترامب بشأن التخلى عن هذه الأهداف! ولكن إذا أراد منا خوض الحرب ضد إيران فسوف نستجيب على الفور!
تصريح يكشف منهج إسرائيل فى المنطقة، ويؤكد كذب التفاوضات التى خاضتها مع الحكومة اللبنانية للانسحاب من الجنوب، فقد أخطأت السلطات فى بيروت مرتين.. الأولى عندما قبلت المفاوضات مع تل أبيب رغم عدم امتلاكها لأوراق تُخضع حزب الله لتنفيذ ماسيتم الاتفاق عليه.. والثانية عندما قبلت مايسمى «سيطرة الجيش اللبنانى على المناطق التجريبية» فهو مصطلح غريب، فكيف لجيش الاحتلال أن يقوم بتجربة قدرة الجيش صاحب السيادة على السيطرة وبسط النظام فوق أرضه!
إسرائيل لن تخرج من لبنان وسوريا وفلسطين إلا عندما تجد نفسها فى مواجهة قوة عربية موحدة لديها هدف واحد! فمقاومة استهداف باقى العواصم العربية- كما قال عدلى فخري- تبدأ بتحرير غزة والضفة والجولان وجنوب لبنان!
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض