يشمل الاجهزة الكهربائية والموبايلات وحتى السيارات والذهب
التقسيط.. فخ الشراء المريح
الغلاء يدفع المصريين إلى شراء كل السلع بـ«الأجل» وجهاز العرائس فى المقدمة
حجم التمويلات الاستهلاكية يتجاوز الـ16 مليار جنيه خلال شهرين
خبراء: التقسيط ضرورة فى ظل الغلاء.. ويتحول إلى كارثة إذا تجاوز الدخل الشهرى
شروط التعاقد.. الحقوق والالتزامات.. بيانات الإيصالات.. حماية لكل الأطراف
بين شعار «اشتري دلوقتي وادفع بعدين»، والمثل الشعبي «على قد لحافك مد رجليك»، يعيش المصريون صراع يومي مع التقسيط الذى لم يعد رفاهية لدى كثير من الأسر، بل أصبح وسيلة لتدبير الاحتياجات الأساسية مع عدم توافر سيولة نقدية، تبدأ الحكاية برغبة فى الحصول علي جهاز كهربائي أو شراء هاتف جديد أو تجديد أثاث المنزل، لكنها تنتهي في كثير من الاوقات بأقساط تمتد لأشهر وربما لسنوات.
ورغم كونه يساعد على شراء احتياجات، ربما يصعب توفير ثمنها دفعة واحدة، إلا أن المشكلة تكبر حينما تتسع دائرته لتخرج عن حدود الاحتياجات الأساسية لتشمل سلعا غير ضرورية أو ترفيهية أو تكميلية، وهنا قد يتحول تدريجيًا إلى عبء، تحت سيطرة الإغراء بالشراء دون الدفع الفورى.
وهو الفخ، إذ يكتشف كثيرون أن جزءًا كبيرًا من دخلهم يذهب لسداد الأقساط قبل تدبير باقي مصروفات الشهر. وما يبدأ بقسط قيمته ألف جنيه، قد يتحول مع تعدد الالتزامات إلى ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه، ليجد المواطن نفسه محاصر بأقساط لم يشعر بتراكمها إلا بعد مرور الوقت، ومع استمرار موجات الغلاء أصبح كل شئ مباح للشراء بالتقسيط حتي الذهب والملابس وبالطبع الموبايلات وخاصة من قبل الشباب الذين لا يملكون غالبا شراء أحدث ما يظهر بالأسواق.
ومع التوسع الكبير في شركات التمويل الاستهلاكي والعروض كشفت الهيئة العامة للرقابة المالية أن التمويلات الاستهلاكية في مصر شهدت قفزة ملحوظة خلال أول شهرين من عام 2026، حيث بلغت قيمتها 19,3 مليار جنيه، بزيادة 61,5% مقارنة بنحو 11,95 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2025، كما ارتفع عدد العملاء المستفيدين بنسبة 64% ليصل إلى 2,488 مليون عميل مقابل 1,515 مليون عميل. واستحوذت تمويلات الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية على النصيب الأكبر بقيمة 4,613 مليار جنيه، تلتها تمويلات شراء السيارات والمركبات بقيمة 4,304 مليار جنيه، ثم السلع الاستهلاكية عبر كارت التمويل بقيمة 2,490 مليار جنيه، والأجهزة الكهربائية والمنزلية بقيمة 1,486 مليار جنيه، والهواتف المحمولة بقيمة 1,332 مليار جنيه، فيما سجلت تمويلات الملابس والأحذية والشنط والساعات والنظارات والإكسسوارات 579 مليون جنيه، إلى جانب تمويلات أخرى بلغت 4,478 مليار جنيه. وخلال شهر فبراير وحده، اقترض 1,177 مليون عميل تمويلات بقيمة 9,2 مليار جنيه، مقارنة بـ753,8 ألف عميل حصلوا على تمويلات بقيمة 6,4 مليار جنيه في فبراير 2025.
فخ
يرى مصطفى منصور، موظف بإحدى شركات القطاع الخاص، أن التقسيط لم يعد وسيلة لتسهيل شراء الاحتياجات، وإنما تحول إلى عبء يلاحق أصحاب الدخل الثابت، قائلًا: «استحالة أشتري أي حاجة بالتقسيط، لأن اللي بيجربه بيعرف إنه بيسحبك واحدة واحدة، في الأول تقول القسط 500 جنيه أو ألف جنيه ومش هيفرق، وبعدها تشتري حاجة تانية وثالثة، وفجأة تلاقي معظم مرتبك رايح على الأقساط. وقتها بتحس إن الفلوس مفهاش بركة، وإنك بتشتغل علشان تسدد التزاماتك وبس. أنا شايف إن التقسيط لو مش للضرورة، يبقى بداية لطريق ممكن ينتهي بديون كتير، خصوصًا مع أي ظرف مفاجئ أو زيادة في مصاريف البيت».
جهاز البنات
على الجانب الآخر ترى هاجر عصام، موظفة، أن التقسيط أصبح ضرورة فرضتها الظروف الاقتصادية، موضحة: «لو مكنش فيه تقسيط، مكنتش هعرف أجيب الأجهزة الأساسية أو أجهز بيتي. الأسعار بقت أعلى من قدرة أي موظف يدفعها مرة واحدة، فالقسط بيساعدك تحقق احتياجاتك من غير ما تضطر تستلف من حد. صحيح لازم الواحد يحسبها كويس وما يزودش الأقساط عن طاقته، لكن بالنسبة لينا كموظفين، التقسيط بقى حل فرضته الظروف، مش رفاهية ولا حب في الديون».

ومن جانبه أكد الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادي، أن ظاهرة البيع والشراء بالتقسيط شهدت توسعًا كبيرًا في السوق المصري خلال السنوات الأخيرة، لتشمل عددًا كبيرًا من السلع والخدمات، بعدما كانت تقتصر في السابق على العقارات والسيارات، موضحًا أنها أصبحت تمتد إلى الأجهزة الكهربائية والمنزلية، والهواتف المحمولة، والأثاث، وخدمات الإنترنت والاتصالات، بل ووصلت إلى التعليم وبعض الخدمات الأخرى.
وأوضح أن اتساع ظاهرة التقسيط يرتبط بعدة عوامل اقتصادية، في مقدمتها الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع والخدمات خلال السنوات الماضية، خاصة مع التغيرات التي شهدها سعر صرف الجنيه في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة المعيشة بصورة تفوق قدرة شريحة كبيرة من المواطنين على الشراء النقدي.
وأضاف أن الدخول والرواتب لم تشهد الزيادة نفسها التي شهدتها الأسعار، الأمر الذي خلق فجوة واضحة بين دخل الأسرة واحتياجاتها الأساسية، لتصبح القدرة الشرائية أضعف من السابق، في الوقت الذي تلتهم فيه المصروفات الأساسية، مثل الغذاء والتعليم والعلاج والمرافق، الجزء الأكبر من دخل الأسرة، وهو ما يدفع الكثيرين إلى اللجوء للتقسيط باعتباره وسيلة لتدبير احتياجاتهم.
وأشار إلى أن الأسواق تعاني في الوقت نفسه من ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية، وهو ما دفع عددًا كبيرًا من الشركات والتجار إلى التوسع في تقديم أنظمة البيع بالتقسيط، بهدف تنشيط حركة البيع وجذب العملاء، لافتًا إلى أن هذا النظام أصبح يمثل حلًا للطرفين، سواء للبائع الذي يسعى إلى تحريك السوق، أو للمستهلك الذي لا يستطيع توفير ثمن السلعة دفعة واحدة، وأن هناك أسبابًا أخرى وراء إقبال المواطنين على التقسيط، من بينها ارتفاع أسعار السلع المعمرة والاستثمارية إلى مستويات تتجاوز قدرة كثير من الأسر، فضلًا عن ضعف معدلات الادخار، ما يجعل التقسيط الخيار الوحيد أمام عدد كبير من المواطنين للحصول على احتياجاتهم الأساسية، مع توزيع تكلفة الشراء على أقساط شهرية تتناسب مع دخولهم.
وأكد أن التقسيط في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا، بل قد يكون وسيلة آمنة ومناسبة إذا كان المشتري يمتلك دخلًا ثابتًا يستطيع من خلاله الوفاء بالأقساط في مواعيدها دون التأثير على احتياجاته الأساسية. أما إذا تجاوزت الأقساط قدرة الفرد المالية، فإنها تتحول إلى عبء قد يوقعه في مشكلات مالية ويعرضه للتعثر في السداد، لذلك يجب أن يكون قرار الشراء قائمًا على دراسة حقيقية لقدرة الأسرة على الالتزام وليس مجرد الرغبة في امتلاك السلعة.
وأضاف أن الظروف الاقتصادية الحالية، وما يصاحبها من ارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائية، ساهمت في التوسع الكبير لشركات وتطبيقات التمويل الاستهلاكي، التي أصبحت توفر حلولًا تمويلية سريعة للمستهلكين، وهو ما أدى إلى زيادة الاعتماد عليها للحصول على السلع والخدمات، متوقعًا استمرار انتشار هذا النمط من الشراء خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكلفة المعيشة.
ونصح المواطنين بعدم التسرع في اتخاذ قرار الشراء بالتقسيط، وضرورة المقارنة بين سعر السلعة نقدًا وسعرها بالتقسيط، والاطلاع جيدًا على جميع شروط التعاقد، ومعرفة الحقوق والالتزامات المترتبة على العقد، وعدم التوقيع على أي مستندات أو إيصالات غير مكتملة البيانات. كما شدد على أهمية التأكد من القدرة الفعلية على سداد الأقساط طوال مدة التعاقد، وعدم تحميل الأسرة التزامات مالية تتجاوز إمكاناتها، مع قصر اللجوء إلى التقسيط على الاحتياجات الضرورية، وليس الكماليات، حتى لا يتحول من وسيلة لتيسير الحياة إلى مصدر لضغوط مالية يصعب التخلص منها.

قالت الدكتورة ريهام عبدالرحمن، أخصائية الإرشاد النفسي والأسري والتربوي، إن التقسيط أصبح جزءًا من حياة كثير من الأسر، خاصة مع ارتفاع الأسعار، مشيرة إلى أنه يحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ويتوقف تأثيره على طريقة استخدامه ومدى قدرة الأسرة على الالتزام بالسداد.
وأوضحت أن من أبرز مميزات التقسيط أنه يخفف العبء المالي عن الأسرة، إذ يتيح شراء الأجهزة المنزلية أو الأثاث أو المستلزمات الأساسية دون الحاجة إلى دفع قيمتها دفعة واحدة، وهو ما يمنح رب الأسرة شعورًا بالأمان والقدرة على تلبية احتياجات أبنائه دون استنزاف المدخرات التي يعتمد عليها لمواجهة الظروف الطارئة أو التخطيط للمستقبل. وأضافت أن كثيرًا من الأسر تعتمد على التقسيط في تجهيز منزل الزوجية أو شراء احتياجات الأبناء، كما يساعدها على تنظيم ميزانيتها الشهرية، بحيث يكون لكل فرد دوره في تحمل الالتزامات بما يتناسب مع دخل الأسرة.
وأضافت أن هذا الجانب الإيجابي قد ينقلب إلى عبء إذا زادت الأقساط عن قدرة الأسرة على السداد، لأن وجود التزامات شهرية مستمرة يخلق حالة من القلق والتوتر والخوف من التعثر في السداد، خاصة إذا تعرضت الأسرة لأي ظرف طارئ مثل فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل. وأشارت إلى أن الضغوط المالية قد تنعكس على العلاقة بين الزوجين، فتتحول الأقساط إلى سبب للخلافات وتبادل الاتهامات حول مسؤولية الإنفاق، وهو ما يؤثر في الاستقرار الأسري.
ولفتت إلى أن سهولة الشراء بالتقسيط تدفع بعض الأشخاص إلى شراء أشياء لا تمثل احتياجات حقيقية، وإنما بدافع الرغبة في امتلاك أحدث الأجهزة أو تقليد الآخرين، فيجد الشخص نفسه بعد فترة محاطًا بعدد كبير من الأقساط التي تستنزف دخله وتؤثر في حالته النفسية، موضحة أن الشعور بالسعادة الناتج عن شراء المنتج يكون مؤقتًا، بينما يستمر عبء السداد لفترات طويلة.
وأكدت أن كثرة الاعتماد على التقسيط قد تترك أثرًا على الأبناء أيضًا، إذ يعتادون رؤية الوالدين يشترون كل شيء بالأقساط، فيترسخ لديهم أن الاستدانة هي الوسيلة الطبيعية للحصول على الاحتياجات، وهو ما قد يؤثر على ثقافتهم المالية في المستقبل. وأشارت إلى أن بعض الأسر، بدافع الرغبة في إسعاد أبنائها، قد تتحمل التزامات تفوق قدرتها، وهو ما قد يوقعها في أزمات مالية كبيرة.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن التقسيط ليس مشكلة في حد ذاته، لكنه يحتاج إلى وعي وحسن إدارة، بحيث يقتصر على الضروريات، وأن يحرص كل شخص على ألا يتحمل التزامات تتجاوز إمكاناته، حتى لا تتحول وسيلة لتخفيف الأعباء إلى مصدر دائم للضغوط النفسية والمادية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض