خارج السطر
مثّلت الجالية اليونانية على وجه التحديد لُغزًا مُحيرًا لباحثى التاريخ الاجتماعى فى مصر، إذ كان غريبًا أن تمثل على مدى عقود طويلة أكبر جالية أجنبية فى مصر. ورُبما آثار ذلك استياء رجل استعمارى عتيد مثل اللورد بارينج، المعروف لدينا باللورد كرومر، فكتب فى مذكراته متأففًا عبارة شهيرة تقول «إنك لو رفعت أى حجر فى أى مكان بمصر لوجدت أسفله يوناني».
ويكشف تعداد الأجانب فى مصر عام 1927 عن أن الرقم الرسمى المسجل لليونانيين تجاوز 75 ألفًا، ما جعلها تتفوق على الجاليات الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والتركية. وفى الحقيقة، فإن الوجود الحقيقى لليونانيين تجاوز ذلك لأن كثيرين لم تشملهم إحصاءات التعداد.
والغريب أن اليونانيين بشكل خاص، لم يعيشوا مثل باقى الجاليات الأجنبية فى القاهرة والإسكندرية ومُدن القناة فقط، وإنما انتشروا فى ربوع القرى والكفور والنجوع شمالًا وجنوبًا، حتى إنه لم تخلُ قرية مصرية واحدة من وجود خواجة يوناني.
قبل أيام كُنت فى الإسكندرية، واستمتعت مع صديق مُحب للفنون بالتحديق فى العمارة الساحرة التى تركها اليونانيون شاهدة وحاكية حيوات مُدهشة لشعب ودود، اقترب من المصريين، وعايشهم وخالطهم وذاب فى المجتمع باختيار ورضا.
حكى لى أحد المثقفين المُتيمين بالكوزموبوليتانية التى ميزت الإسكندرية عن آخر يونانى رآه فى حى الأزاريطة واسمه كلود، وهو من مواليد العشرينيات بأسرة متوسطة تقطن الإسكندرية. لقد تطوع الرجل فى حرب السويس، ثُم فى الحرب ضد إسرائيل، وضاق ذرعًا بكلمة خواجة التى عُرف بها بين الناس، فتزوج مصرية، وأدى فريضة الحج بعد أن أشهر إسلامه، وعرف بعدها بالحاج محمد كلود، وقد توفى عام 2012. وغيره كثيرون أحبوا مصر وذابوا فيها، فصاروا مصريين ثقافة وفكرًا ووعيًا وتركوا بصمات حسنة، وآثار خير.
ومما حكاه المؤرخ الكبير الدكتور محمد عفيفي، أن المبدعين اليونانيين فى مصر عاشوا وانفعلوا بالأحداث العظيمة وكتبوا عنها روايات ونصوص إبداع خالدة. وذكر أن أحدهم ويُدعى ستراتيس تسيركاس، كتب رواية خيالية عن بطل شعبى مصرى يقاوم الإنجليز فى صعيد مصر اسمه نور الدين بومبة، وقد ترجمها مؤخرًا إلى العربية ينى ميلاخرينودي، وتُظهر الرواية عدالة قضية الاستقلال الوطنى لمصر، ونبل وشجاعة ورقى المصريين فى التصدى للاستعمار. كما كتب روائى آخر يُدعى يورجس فيليبوس رواية بعنوان «تجار القطن» تدور فى مصر وتحكى أحوال الناس خلال الأزمة المالية فى الثلاثينيات.
وقبل سنوات، وخلال مشاركتى فى عمل بحثى كبير يخص تاريخ الأجانب فى المجتمع المصري، اقتربت من تجربة اليونانيين فى مصر، ولفت نظرى ذلك التقارب والتواصل الشديد بين الشعبين المصرى واليوناني، وأسبابه، والتى تراوحت بين تقارب العادات والتقاليد المنبعثة من حضارتين قديمتين هى المصرية القديمة والإغريقية، ووجود سمات سلوكية مشابهة لشعبين يطلان على البحر المتوسط بمناخه المعتدل الوسطي، فضلًا عن وجود تأثيرات حضارية متبادلة ممتدة منذ تأسيس الإسكندرية.
لكن الأهم فى نظرى أن المصريين واليونانيين على السواء اتسما كشعبين متحضرين بالتسامح والطيبة والميل للرحمة فى التعامل مع الآخرين، وحتى الصراعات السياسية فى كلا البلدين، فقد اتسمت بالرحمة وتجنب المتصارعين تصفية الخصوم.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض