بدون رتوش
فى خضم الأزمات الدولية المتلاحقة، كثيرًا ما تجد القضايا الإنسانية نفسها خارج دائرة الاهتمام، لتدفع الشعوب الضعيفة ثمن صراعات لا تملك قرارها. ويبدو أن القضية الفلسطينية أصبحت، مرة أخرى، ضحية لتغير أولويات المجتمع الدولى، فى وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية فى قطاع غزة، رغم الدعوات المتكررة إلى وقف إطلاق النار والالتزام بحماية المدنيين.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت الانتقادات الدولية للحكومة الإسرائيلية بسبب حجم الدمار الذى لحق بالأحياء السكنية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، واستمرار العمليات العسكرية فى مناطق مكتظة بالسكان. كما وجهت منظمات دولية وهيئات أممية تحذيرات متكررة من أن استمرار الأعمال القتالية، وعدم الالتزام بالاتفاقات،والتفاهمات الرامية إلى خفض التصعيد، يزيد من تفاقم الكارثة الإنسانية، ويقوض فرص الوصول إلى تسوية سياسية عادلة ومستدامة.
ولعل أكثر القطاعات تضررًا مما يحدث هو القطاع الصحى، الذى يواجه أزمة غير مسبوقة نتيجة نقص الوقود والمستلزمات الطبية والأدوية، إلى جانب تعرض عدد من المستشفيات والمرافق الصحية لأضرار جسيمة، وصعوبة وصول الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف إلى المصابين فى كثير من المناطق. وقد ترتب على ذلك تراجع القدرة على إجراء العمليات الجراحية، وتأجيل علاج آلاف المرضى، وانتشار الأمراض وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال وكبار السن، فى مشهد يعكس حجم المعاناة التى يعيشها سكان القطاع يومًا بعد آخر.
وفى خضم هذه المأساة، جاءت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لكى تستحوذ على الاهتمام السياسى والإعلامى العالمى، فتحولت الأنظار إلى حسابات الردع الإقليمى، وتراجع الحديث عن معاناة المدنيين الفلسطينيين. فبينما انشغلت العواصم الكبرى بتأثير تداعيات الصراع الأمريكى الإيرانى على أمن المنطقة وأسواق الطاقة، بقيت غزة تواجه أزمتها الإنسانية بعيدًا عن الأضواء، وكأن الحرب الكبرى قد حجبت مأساة شعب ما زال يكافح من أجل البقاء.
إن أخطر ما فى هذه التحولات ليس فقط تغير أولويات الإعلام، بل خطر اعتياد العالم على مشاهد الدمار، حتى تصبح أخبار الضحايا حدثًا يوميًا يفقد تأثيره مع مرور الوقت. وهنا يدفع الفلسطينيون، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، ثمن صراعات إقليمية ودولية لا يملكون التأثير فى مسارها، بينما تتراجع قضيتهم إلى الهامش أمام صدامات القوى الكبرى.
إن استمرار هذه الأوضاع يفرض على المجتمع الدولى مسئولية أخلاقية وقانونية لا يجوز التنصل منها، حيث إن احترام القانون الدولى الإنسانى، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ليست خيارات سياسية، بل التزامات تفرضها المواثيق الدولية على جميع الأطراف. ومن هذا المنطلق، تتزايد الاعتراضات على سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، التى يرى منتقدوها أنها أسهمت فى تعميق الأزمة الإنسانية وإطالة أمد الصراع، وسط مطالبات متكررة بوقف الانتهاكات، والالتزام بالقانون الدولى، وإنهاء حالة الإفلات من المساءلة، حتى لا يبقى المدنيون الفلسطينيون يدفعون وحدهم ثمن حرب بلا رادع وبلا احترام للقيم الإنسانية التى يفترض أنها هى التى تحكم العالم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض