بـ"عربية كارو" وفتاة مدللة.. كيف حول هاني شنودة التراث المصري إلى أغانٍ خالدة؟
لم يكن الموسيقار الراحل هاني شنودة يبحث عن الإلهام في الأماكن البعيدة أو الأفكار المعقدة، بل وجد مصدره الحقيقي في الشارع المصري والريف والحكايات الشعبية التي تربى عليها، فمن أصوات الأفراح الريفية إلى حواديت الجدات، ومن الشخصيات البسيطة إلى تفاصيل الحياة اليومية، صنع مشروعًا موسيقيًا مختلفًا، استطاع من خلاله أن يمزج التراث الشعبي بالتوزيع الموسيقي الحديث، ليقدم أعمالًا لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.
وفي مسيرته الفنية قدم هاني شنودة عشرات الألحان التي حملت بصمته الخاصة، إلا أن عددًا من أغنياته ارتبط بشكل مباشر بمواقف وتجارب واقعية استلهمها من المجتمع المصري، قبل أن يعيد صياغتها في قوالب موسيقية عصرية بالتعاون مع كبار شعراء العامية، وعلى رأسهم صلاح جاهين وصلاح فايز.

«متحسبوش يا بنات إن الجواز راحة».. أغنية خرجت من أفراح الريف
أغنية «متحسبوش يا بنات إن الجواز راحة»، التي قدمتها فرقة «المصريين» عام 1980، واحدة من أبرز الأغنيات المستوحاة من التراث الشعبي.
وكشف هاني شنودة، خلال استضافته في برنامج «شاي بالياسمين»، أن فكرة الأغنية تعود إلى مشاهد عاشها في طفولته بمدينة طنطا، قائلاً: "الأغنية دي كنت بسمعها في بلدي طنطا، كانوا الفلاحين بيحطوا الشوار (جهاز العروسة) على عربية كاروا بحمار ويقلبوا الطشت ويطبلوا عليه ويغنوها".
وأوضح أن الأغنية استندت إلى كلمات متداولة في الريف، إلا أنه بالتعاون مع الشاعر الراحل صلاح جاهين أعاد صياغتها بما يتناسب مع روح العصر، مضيفًا: "أنا والأستاذ صلاح جاهين قولنا مينفعش نقول كلمات مش مظبوطة أو مؤذية، فشيلنا كل ده… الكلمات من وحي الريف المصري، إنما اللحن من عندي".
«الشوارع حواديت».. عندما تحولت المدينة إلى بطل الأغنية
قدمت فرقة «المصريين» في عام 1978، أغنية «الشوارع حواديت» بكلمات صلاح جاهين وألحان هاني شنودة، لتقدم رؤية مختلفة للشارع المصري باعتباره شاهدًا على قصص الناس وذكرياتهم.
واكتسبت الأغنية شهرة أكبر بعدما استخدمها المخرج محمد خان في فيلم «الحريف» عام 1984، لتصبح إحدى العلامات الموسيقية المرتبطة بالفيلم.
وكشفت الفنانة إيمان يونس، خلال لقائها على قناة dmc، أن الأغنية لم تكن مخصصة لها في البداية، موضحة أن الفنان الراحل ممدوح قاسم حاول تسجيلها لكنه تأثر بالكلمات ولم يستطع استكمالها.
وأضافت أن صلاح جاهين طلب منها دخول الاستوديو لتسجيل الأغنية رغم ترددها، قائلة: "قال لي: ادخلي يا إيمان غنيها… أنا عارف إنك حافظاها"، مشيرة إلى أن الأغنية خرجت في النهاية لتصبح واحدة من أشهر كلاسيكيات فرقة «المصريين».
«ماشية السنيورة».. شخصية ولدت من الواقع
أما أغنية «ماشية السنيورة»، التي طرحتها فرقة «المصريين» عام 1985، فلم تكن وليدة الخيال، بل استندت إلى شخصية حقيقية.
وروى هاني شنودة أن صلاح جاهين طلب مقابلة المطربة الجديدة، منى عزيز، قبل كتابة كلمات الأغنية.
وقال: "صلاح جاهين طلب يشوف المغنية الجديدة قبل ما يكتب الأغنية… وبعد ثلاثة أيام سلمني الكلمات، ولما قرأتها ضحكت، لأنه كان بيكتب بناءً على الشخصية اللي شافها قدامه".
وأضاف أن جاهين حرص على أن تعكس الكلمات ملامح صاحبة الأغنية الحقيقية، لتخرج شخصية «السنيورة» قريبة من الواقع.
«بنات كتير».. الاحتفاء بالفتاة المصرية البسيطة
قدمت فرقة «المصريين» عام 1980، أغنية «بنات كتير»، التي كتب كلماتها الشاعر صلاح فايز، بينما وضع هاني شنودة ألحانها وتوزيعها.
وعبرت الأغنية عن صورة الفتاة المصرية البسيطة، مؤكدة أن تميزها لا يرتبط بالمظهر أو الأزياء، وإنما بالأخلاق والتربية والعفوية، لتصبح واحدة من أبرز الأغنيات الاجتماعية التي احتفت بالهوية المصرية في تلك الفترة.
«يا ماما ستو».. التراث الشعبي بروح موسيقية حديثة
وفي أغنية «يا ماما ستو»، التي جاءت ضمن ألبوم «بحبك لا»، واصل هاني شنودة وصلاح جاهين استلهام الحكايات الشعبية، لكن في قالب موسيقي معاصر.
وتبدأ الأغنية بنداء الأطفال للجدة كي تحكي لهم حكاية «بنت الطحان»، قبل أن تتطور الأحداث في إطار يمزج بين الخيال الشعبي والفكاهة وأجواء أغاني الأطفال، ليقدم شنودة نموذجًا ناجحًا لإحياء التراث الشعبي بأسلوب حديث.
بصمة فنية صنعتها تفاصيل الحياة
لم يكن نجاح هاني شنودة قائمًا على الألحان وحدها، بل على قدرته في تحويل المشاهد اليومية البسيطة إلى أعمال فنية خالدة، فقد استطاع أن ينقل نبض الشارع المصري، والأغنية الشعبية، والحكايات المتوارثة، إلى موسيقى عصرية تجاوزت حدود الزمن، لتظل أعماله، بعد رحيله، شاهدة على تجربة موسيقية سبقت عصرها، ورسخت مكانته كأحد أبرز رواد التجديد في الموسيقى المصرية الحديثة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
