كيان موحد للوسطاء.. .. هل ينهي سنوات التشتت وغياب التمثيل؟
اتحاد وسطاء التأمين.. حلم مؤجل منذ عقود يعود إلى الواجهة
برزت خلال الفترة الأخيرة دعوات لتأسيس اتحاد لوسطاء التأمين، استنادًا إلى المادة 116 من قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، والتي أتاحت إنشاء اتحادات غير هادفة للربح للأشخاص والجهات المرخص لها بمزاولة الأنشطة التأمينية، فر خطوة قد تعيد تشكيل خريطة العمل المهني داخل سوق التأمين، حيث أعادت المبادرة فتح النقاش حول مدى حاجة الوسطاء إلى كيان مستقل يمثل مصالحهم المهنية ويعزز دورهم في تطوير الصناعة.
ويأتي هذا الطرح في وقت يشهد فيه قطاع التأمين تحولات متسارعة على المستويات التشريعية والتكنولوجية والتنظيمية، ما يفرض تحديات جديدة على العاملين بالمهنة، وطرحت عدة تساؤلات حول آليات التأسيس واختصاصات الاتحاد ومدى قدرته على تحقيق أهدافه المنشودة.
أحمد إبراهيم: غياب كيان موحد للوسطاء خلق فراغًا تمثيليًا داخل السوق
وفي هذا الإطار، أوضح أحمد إبراهيم، خبير تأميني، أن سوق التأمين المصري، يشهد في المرحلة الراهنة نقاشاً جاداً حول مبادرة تأسيس اتحاد مستقل يمثّل وسطاء التأمين، ويُعبّر عن مصالحهم المهنية ويدعم تطويرهم، تأتي هذه المبادرة في سياق تحولات جوهرية تشهدها الصناعة على مستوى التنظيم والرقابة والتحول الرقمي، مما يجعل التوقيت بالغ الأهمية ومحفوفاً في الآن ذاته بتحديات تستوجب الدراسة المعمّقة والنقاش المسؤول، خاصة وأن حجم قطاع وسيط تأمين مرخص في مصر يستدعي كياناً تمثيلياً منظماً يوحّد الجهود ويرفع الأداء المهني، خاصة وأنه مضى أكثر من ثلاثة عقود دون تأسيس كيان تمثيلي مستقل لوسطاء التأمين في السوق المصرية.
ونوه "إبراهيم"، إلى أنه لا يكفي أن يكون السوق كبيراً لتبرير وجود اتحاد مهني، بل ينبغي أن تكون ثمة إشكاليات هيكلية حقيقية تعجز عن معالجتها الكيانات القائمة، والحقيقة أن سوق التأمين المصري يعاني من فراغ تمثيلي واضح على مستوى الوسطاء، إذ لا يوجد صوت موحّد يعبّر عن مطالبهم أمام الجهات التنظيمية ويرفع توصياتهم في صياغة السياسات القطاعية، كما أنه توجد مشكلات هيكلية قائمة، من ضمنها غياب التمثيل المهني الموحّد، حيث لا يملك الوسطاء جهة تفاوض باسمهم أمام الهيئة العامة للرقابة المالية وشركات التأمين، مما يضعهم في موقع ضعف تفاوضي مزمن، وإيضًا تفاوت مستوى التأهيل المهني، خاصة في إطار غياب معايير موحّدة وبرامج تطوير منهجية ملزمة، ولا ننسى ضعف الحماية التشريعية، حيث يفتقر الوسطاء إلى إطار قانوني واضح يحمي حقوقهم في العمولات والمعاملة العادلة مع شركات التأمين.
أما عن الفرص التي يفتحها الاتحاد.. أشار الخبير التأميني، إلى سيكون هناك قناة تواصل رسمية، فضلًا عن تواجد معايير مهنية موحّدة، بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين الوسطاء لمواجهة التحديات المشتركة وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، ولا ننسى المشاركة الفاعلة في صياغة اللوائح والتشريعات المنظِّمة لمهنة الوساطة التأمينية، لافتًا إلى أن غياب كيان تمثيلي جامع للوسطاء أفضى على مدى سنوات طويلة إلى تشتّت الجهود وتكرار الإشكاليات دون معالجة جذرية، فالوسيط المنفرد لا يملك الثقل الكافي للتأثير في القرار التنظيمي، في حين أن الاتحاد — متى كان ذا حوكمة رشيدة وتمثيل حقيقي — قادر على قلب هذه المعادلة وتحويل الوساطة التأمينية من نشاط هامشي إلى ركيزة محورية في منظومة الخدمات المالية المصرية.
أما عن الأدوار التنموية للاتحاد.. أكد إلى أنه سيتجاوز دور الاتحاد المرتقب مهمة التمثيل والمناصرة ليشمل أبعاداً تنموية جوهرية تمسّ كفاءة القطاع بأسره، وتطوير الكفاءات المهنية، كما يُشرف على برامج شهادات مهنية معترف بها تفتح أمام الوسطاء آفاقاً للترقي والتميز التنافسي في السوق، وأخيرًا نشر الثقافة التأمينية، حيث يمتلك قدرة فريدة على تنظيم حملات توعية بالتنسيق مع الهيئة وشركات التأمين، إذ يتحوّل الوسطاء المنتشرون في كل أرجاء مصر إلى سفراء للثقافة التأمينية داخل مجتمعاتهم المحلية، مما يُسهم مباشرة في رفع معدلات الاختراق التأميني.
وعن العلاقة مع الرقابة المالية... أكد الخبير، إلى أن الاتحاد سيُرسي إلى نموذج شراكة تنظيمية قائمة على الحوار البنّاء، لا المواجهة، حيث سيشارك في صياغة اللوائح قبل إصدارها، ويُقدّم بيانات دورية عن أداء القطاع، ويكون مرجعاً للهيئة في أي ملفات تخص مهنة الوساطة وتطويرها، فالوسيط المُدرَّب جيداً ليس مجرد بائع لوثيقة تأمين، بل هو مرشد مالي يحمي مدخرات الأسر ويدعم استقرار الاقتصاد الوطني — والاتحاد هو الضامن المؤسسي لهذا المستوى من الاحتراف.
ونوه الخبير على عدة اعتبارات لنجاد الاتحاد، مؤكدًا على أنه لا ينبغي أن تحجب الحماسة المشروعة للمبادرة الحاجةَ إلى استيعاب المخاوف الجدية التي يُثيرها بعض المراقبين والمعنيين، مثل تكرار أدوار الكيانات القائمة، حيث ثمة مخاوف مشروعة من التداخل مع دور الجمعية المصرية للتأمين والاتحاد المصري للتأمين، ما قد يُفضي إلى تشتت الجهود وتضارب الأولويات وإرباك شركات التأمين الشريكة، بالإضافة إلى خطر الاستقطاب والتكتلات، فقد يهيمن على الاتحاد مجموعة من الوسطاء الكبار على حساب المستقلين والصغار، والاستدامة المالية، حيث أن التساؤل المشروع عن مصادر تمويل الاتحاد واستقلاليته المالية عن شركات التأمين التي قد تسعى للتأثير في قراراته إذا كانت ممولة له، وإيضًا ضعف التمثيل الجغرافي، لذا يجب وجود ميثاق تأسيسي واضح، وانتخابات ديمقراطية شفافة، واستقلالية مالية حقيقية، وخطة عمل قابلة للقياس.
وأختتم كلامه قائلًا:" خلاصة القول، إن مبادرة تأسيس اتحاد وسطاء التأمين في مصر تستحق الدعم والمضيّ قُدُماً، شريطة أن تُبنى على أسس من الشفافية والتمثيل الحقيقي وتقسيم واضح للأدوار مع الكيانات القائمة. السوق في حاجة ماسة إلى صوت مهني موحّد ينتصر لحقوق الوسطاء ويرفع كفاءتهم ويحوّلهم من حلقة هامشية في منظومة التأمين إلى شريك استراتيجي فاعل في تحقيق أهداف التنمية المالية الوطنية، والفرصة متاحة الآن — فلا ينبغي إضاعتها بالتردد أو التأجيل، النجاح الحقيقي للاتحاد لن يُقاس بعدد أعضائه أو حجم ميزانيته، بل بمدى قدرته على تحسين حياة الوسيط المصري ورفع ثقة المواطن في منظومة التأمين بأسرها".

محمد عبدالجبار: الحوار حول تأسيس اتحاد للوسطاء مكسب للصناعة قبل أي نتائج
وفي نفس السياق، أوضح محمد عبدالجبار، متخصص في مجال التأمين الطبي للشركات، أن من وجهة نظري، مجرد فتح باب الحوار حول تأسيس اتحاد لوسطاء التأمين هو مكسب للصناعة، حتى قبل الوصول إلى أي نتائج، خاصة وأن وجود نقاش جاد بين العاملين في السوق، والهيئة العامة للرقابة المالية، وكل الأطراف المعنية، يساعد على الوصول إلى أفضل تصور لكيان يمثل الوسطاء بشكل مهني ويضيف قيمة حقيقية للسوق، إذا تم تأسيس الاتحاد بالشكل الصحيح، فأعتقد أنه سيساهم في:رفع مستوى الاحترافية والممارسة المهنية بين الوسطاء، ووضع مدونات للسلوك المهني وتعزيز الالتزام بالأخلاقيات، ودعم التدريب والتأهيل المستمر ومواكبة التطورات في صناعة التأمين، وتوحيد صوت الوسطاء عند مناقشة القضايا والتحديات التي تواجههم، وتعزيز الثقة بين شركات التأمين والوسطاء والعملاء، بما ينعكس إيجابًا على نمو السوق.
ووأختتم الخبير كلامه قائلًا:" القضية ليست إنشاء كيان جديد لمجرد وجود كيان، وإنما بناء مؤسسة مهنية قوية تخدم الصناعة كلها، لأن أي تطوير حقيقي لدور الوسطاء سينعكس على جودة الخدمة، وزيادة الوعي التأميني، ودعم نمو سوق التأمين المصري ككل، لذلك، أرى أن الحوار نفسه خطوة إيجابية، وأتمنى أن يشارك فيه الجميع بآرائهم وخبراتهم للوصول إلى أفضل نموذج يخدم المهنة والصناعة في آن واحد.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
