رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى مدرسة الواقعية السياسية ومفهوم الحرب غير المتكافئة الفكرة الجوهرية تقوم على أن «النصر» فى النزاعات الدولية لا يُقاس دائماً بتدمير جيش الخصم، بل بقدرة الطرف الأضعف على إفساد خطط الطرف الأقوى وجعل كلفة استمراره غير محتملة. وبما أن التاريخ هو مختبر السياسة، فالتاريخ يقدم لنا نماذج عديدة لم تستطع فيها معظم القوى الإقليمية هزيمة القوى العظمى عسكريًا، لكنها نجحت فى استنزافها ورفع كلفة استمرارها، بما دفعها إلى مراجعة استراتيجياتها أو إعادة صياغة أهدافها. فقد واجهت الإمبراطورية الرومانية تمردات حدودية استنزفت مواردها، وفى الحروب النابليونية، عندما حاول نابليون بونابرت فرض هيمنته على أوروبا، اصطدم بحقيقة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفى لإخضاع بيئات جغرافية وسياسية معقدة. فقد نجح فى تحقيق انتصارات ساحقة، لكنه استنزف إمبراطوريته فى إسبانيا ثم فى الحملة الروسية عام 1812، قبل أن ينتهى مشروعه فى معركة واترلو عام 1815. ولم تكن هزيمته نتيجة معركة واحدة، بل نتيجة تراكم الاستنزاف واتساع الجبهات وتآكل القدرة على إدارة الإمبراطورية.

وتكرر المشهد مع الإمبراطورية البريطانية التى بلغت ذروة قوتها فى القرن التاسع عشر حتى وُصفت بأنها «الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس». ورغم سيطرتها على البحار والتجارة العالمية، واجهت سلسلة من التحديات التى كشفت حدود القدرة البريطانية على فرض الإرادة السياسية رغم امتلاك القوة العسكرية. أما الولايات المتحدة، القوة العظمى منذ نهاية الحرب الباردة، فقد واجهت بدورها النمط نفسه. ففى فيتنام لم تُهزم عسكرياً بالمعنى التقليدى، لكنها وجدت أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من عائدها السياسى. وتكرر الأمر فى العراق وأفغانستان، حيث أثبتت التجربة أن إسقاط الأنظمة أسهل كثيراً من بناء نظام سياسى مستقر يحقق الأهداف الاستراتيجية التى قامت من أجلها الحرب، والان تواجه ذات التحدى مع إيران.

من هذا المنطق التاريخى يمكن فهم وتفسير السلوك الإيراني، فهى لا تسعى إلى مواجهة الولايات المتحدة فى حرب تقليدية تعرف مسبقًا أنها لا تستطيع الانتصار فيها، وإنما تراهن على استراتيجية الاستنزاف ورفع التكلفة. فمن خلال تهديد الملاحة فى مضيق هرمز، واستهداف القواعد الأمريكية، واستخدام الوكلاء، تحاول طهران أن تجعل تكلفة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية فى الخليج أعلى من العائد الاستراتيجى الذى تحققه واشنطن. ومن ثم، فإن الهدف الإيرانى ليس هزيمة الولايات المتحدة، بقدر ما تحاول إيران استثمار الجغرافيا السياسية أو «القدر» كما أسماها نابليون لتحويل النفوذ الميدانى إلى اعتراف سياسى دائم.

لكن التاريخ على المقابل يقدم أيضًا درسًا آخر لا يقل أهمية، وهو أن القوى المتوسطة التى بالغت فى تحدى القوى العظمى دون امتلاك موارد كافية تعرضت فى كثير من الأحيان لاستنزاف طويل الأمد أضعف قدراتها الداخلية واستنزف مواردها أيضا. لذلك فإن نجاح استراتيجية الاستنزاف يظل مرهونًا بقدرة الدولة على تحمل كلفتها الاقتصادية والسياسية، وليس فقط بقدرتها على إيقاع الخسائر بخصمها. فالعقوبات الاقتصادية المشددة، والعزلة الدولية، وكلفة تمويل الوكلاء، قد تؤدى إلى تآكل الجبهة الداخلية للدولة المستنزِفة قبل أن تنكسر القوة العظمى، مما يهدد بانهيارها من الداخل نتيجة الإفلاس الاقتصادى أو الاضطرابات الاجتماعية. هى إذن هى مباراة «عض أصابع» حول من لديه قدرة أعلى على تحمل الألم والاستمرار فى النزيف لفترة أطول، فمن سيصرخ من الألم أولاً، واشنطن، أم طهران أم الشرق الأوسط والعالم؟.