رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قصة الخضر مع موسى.. أسرارًا بلاغية مدهشة في سورة الكهف

قصة الخضر وسيدنا
قصة الخضر وسيدنا موسى

قصة الخضر مع موسى تحمل بين طياتها من الأسرار البلاغية والتربوية ما يفتح أمام المتدبر آفاقًا واسعة لفهم القرآن الكريم، إذ كشف الدكتور عطية لاشين، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، عن واحدة من أجمل اللطائف البيانية في سورة الكهف، موضحًا أن اختلاف الضمائر في حديث الخضر مع نبي الله موسى عليهما السلام لم يكن تنويعًا في الأسلوب، وإنما جاء بدلالات إيمانية وبلاغية عميقة، وهو ما يجعل قصة الخضر مع موسى نموذجًا بديعًا في الأدب مع الله سبحانه وتعالى.

اختلاف الضمائر في قصة الخضر مع موسى

وأوضح الدكتور عطية لاشين أن الله تعالى قال على لسان الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ عند خرق السفينة، ثم قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ عند قتل الغلام، ثم قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ عند إقامة الجدار، مؤكدًا أن هذا التدرج في الضمائر يحمل معاني دقيقة تتعلق بالأدب مع الله وحكمة أفعاله.

لماذا قال الخضر: "فأردت"؟

وبيّن أن الخضر نسب إرادة خرق السفينة إلى نفسه وحده بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، لأن الفعل في ظاهره يبدو نقصًا وإتلافًا لجزء من السفينة، وإن كان في حقيقته رحمة وإنقاذًا لها من اغتصاب الملك الظالم، ومن كمال الأدب مع الله ألا يُنسب ما يبدو للناس ضررًا إليه مباشرة.

وأشار إلى أن هذا المعنى يتوافق مع قول نبي الله إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، حيث نسب المرض إلى نفسه، بينما نسب الشفاء إلى الله سبحانه وتعالى.

سر الانتقال إلى "فأردنا"

وأضاف لاشين أن الخضر استخدم ضمير الجمع في قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾، لأن حادثة قتل الغلام اجتمع فيها أمران؛ الأول ظاهر فيه الشدة وهو القتل، والثاني يحمل الرحمة والخير، وهو أن يرزق الله الوالدين ولدًا خيرًا منه.

ولذلك لم ينسب الإرادة إلى نفسه وحده كما في خرق السفينة، ولم ينسبها إلى الله وحده، وإنما جاء التعبير بضمير الجمع للدلالة على اجتماع الحكمة الإلهية مع تنفيذ الخضر للأمر، وهو من دقائق البيان القرآني التي تكشف جانبًا جديدًا من قصة الخضر مع موسى.

لماذا قال: "فأراد ربك"؟

وأكد عضو لجنة الفتوى بالأزهر أن الخضر عندما تحدث عن إقامة الجدار وحفظ كنز اليتيمين قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، فنسب الإرادة إلى الله سبحانه وتعالى مباشرة؛ لأن هذا الفعل خير محض ورحمة خالصة، لا يظهر فيه أي جانب من جوانب الضرر أو الإيلام، فناسب أن يُنسب الفضل كله إلى الله عز وجل.

التدرج البياني يعلم الأدب مع الله

وأشار الدكتور عطية لاشين إلى أن هذا التدرج البديع في الضمائر يحمل درسًا تربويًا عظيمًا، حيث جاء التعبير بـ"فأردت" عند الأمر الذي يبدو في ظاهره عيبًا، و"فأردنا" عند الأمر الذي اجتمع فيه ظاهر الشدة وباطن الرحمة، ثم "فأراد ربك" عند الخير الخالص، وهو ما يعكس أدب الأنبياء والصالحين في الحديث عن أفعال الله سبحانه وتعالى.

وأوضح أن بعض أهل العلم استنبطوا من هذه الآيات أن المسلم ينبغي أن يتأدب في ألفاظه مع الله تعالى، فينسب الخير إليه صراحة، مع الإيمان الكامل بأن كل ما يقع في الكون إنما هو بقضاء الله وقدره وحكمته.

قصة الخضر مع موسى.. رسالة طمأنينة لكل مبتلى

واختتم لاشين حديثه بالتأكيد على أن قصة الخضر مع موسى تعلم المؤمن ألا يحكم على الأحداث من ظاهرها، فخرق السفينة كان سببًا في نجاتها، وقتل الغلام كان رحمة بوالديه، وإقامة الجدار كانت حفظًا لمستقبل اليتيمين.

وأضاف أن الإنسان قد يرى بعض الأحداث مؤلمة أو غير مفهومة، لكنها قد تخفي وراءها رحمة عظيمة لا تظهر إلا بعد مرور الزمن، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مؤكدًا أن من أعظم مقاصد قصة الخضر مع موسى ترسيخ اليقين بأن علم الإنسان محدود، بينما تدبير الله سبحانه كله حكمة ورحمة، وإن خفيت على العباد أسبابها.