جدار متهالك يدفن طفلتان بالمنيا
جدار متهالك يكتب نهاية حزينة لـ "رودينا وعزة" في المنيا
تحت ظلال قرية "أبو عقيلة" الهادئة التابعة لمركز العدوة بمحافظة المنيا، كانت شمس النهار تميل للغروب، حاملة معها ضحكات بريئة لطفلتين لم تعرفا من الدنيا سوى اللعب والجري في أزقة قريتهما الصغيرة "رودينا" ذات السنوات الثلاث، وشقيقتها الأكبر "عزة" التي لم تتجاوز ربيعها الخامس.
كانتا تتحركان كعصفورتين تملآن بيت عائلتهما بهجة وصخبًا، لم يكن أحد يعلم أن الموت كان يتربص بهما على بعد خطوات قليلة من عتبة منزلهما، حيث كان يقف حائط متهالك مبني من "البلوك" الخرساني، صامتًا وآيلًا للسقوط منذ زمن طويل ، كأنه فخ نصبه القدر للبراءة.
"اللحظة الفاجعة"
في لحظة خاطفة، سادها صوت ارتطام مروع، وفي غفلة من الأم لقضاء مصالح الأسرة في اعداد الطعام للأب العائد من الحقل منهكا طول النهار ، خرجت الطفلتان البريئتان للهو بالـ مرجيحة بحبل مربوط من البلوك الحجري المتهالك شراء " حلوى " من دكان الجيران ، لكن فجأة انهار الحائط الثقيل فجأة، حاصرًا تحت أنقاضه الجسدين الغضين ، صرخات الأطفال لم تسعفها تحت الأنقاض ، لفظا أنفاسهما الأخيرة ، وسط محاولات الأهالي اليائسة ، أمام قدر الله عز وجل .
تحولت الضحكات في ثانية واحدة إلى صمت مطبق، وهرع الأهالي والجيران يسبقهم الفزع، يرفعون الأحجار الخرسانية الثقيلة بأيدٍ ترتجف وقلوب تدعو بالمعجزة، ولكن كان أمر الله قد نفذ؛ الأب في طريق عودته من الحقل رأي بأم عينيه تجمعات كبيرة لأهل القرية ، شعر بإنقباض وتسارع ضربات قلبه ، دخل مسرعات وسط تجمعات الأهالي ليرى الفجيعة الكبرى ، وجه رودينا وعزة ملطخة بالدماء .
الفجيعة شلت حركة اللسان واصابته بالإغماء المؤقت من هول الصدمة ، الأم داخل المطبخ تعد الطعام ، فجأة سقطت منها أدوات الطهي ، عندما سمعت صوت دوي انهيار الحائط ، شعرت أن الأمر يخصها خرجت مسرعة ، لتجد طفلتيها تحت الركام ، صرخت صرخات متتالية ، حتى انهارت في التو واللحظة ، من شدة الفجيعة ، نُقلت الصغيرتان إلى مشرحة مستشفى العدوة المركزي، تاركتين خلفهما ألعابًا مبعثرة، وحضنًا دافئًا لأم وأب تحول عالمهم في لحظة إلى سواد دامس.
"تقرير الفراق والوداع الأخير"
تلقى الأمن الإخطار الحزين، وتحركت الجهات المعنية لتأدية الواجب القانوني وسط أجواء خيم عليها الحزن الشديد. وبأمر من النيابة العامة، ناظر طبيب الصحة جثماني الصغيرتين، لتقر الكلمات الطبية الجافة قسوة الواقعة: «كدمات متفرقة، ونزيف حاد بالمخ والصدر، وكسر في الجمجمة».. تقرير أكد غياب الشبهة الجنائية، ليعلن أن الحادث لم يكن سوى قضاء وقدر خطف الوردتين قبل الأوان ، لتصرح النيابة العامة بدفن الطفلتين، وتسليم الجثامين إلى أهليتهما المكلومين.
ليلة أبكت "العدوة"
خرجت القرية عن بكرة أبيها في جنازة مهيبة، لم تكن مجرد تشييع لجثمانين، بل كانت وداعًا لقطعتين من قلوب الجميع. حُملت النعوش الصغيرة على الأكتاف، وامتزجت دموع الرجال بصراخ الأمهات، لتوارى "رودينا" و"عزة" الثرى معًا، كما كانتا لا تفترقان في الدنيا، تاركتين خلفهما درسًا قاسيًا حول جدران متهالكة قد تسرق الحياة في غفلة من الزمن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
