حقيقة قصة عمر بن الخطاب وعقوق الابن المتداولة عبر مواقع التواصل
حقيقة قصة عمر بن الخطاب.. أكد الدكتور مختار مرزوق عبدالرحيم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، فرع أسيوط، أن حقيقة قصة عمر بن الخطاب وعقوق الابن المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لا تثبت من الناحية العلمية، موضحًا أنها لم ترد بسند صحيح في كتب السنة أو كتب التاريخ المعتمدة، وأن الاستدلال بها لتبرير عقوق الوالدين أمر غير جائز شرعًا.
ما القصة المتداولة لعمر بن الخطاب؟
تتداول بعض الصفحات قصة مفادها أن رجلًا شكا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوق ابنه، فسأل عمر الابن عن سبب عقوقه، فأخبره أن والده أساء اختيار أمه، وسمّاه اسمًا قبيحًا، ولم يعلمه القرآن، فقال عمر للأب: "عققته قبل أن يعقك"، وأوضح الدكتور مختار مرزوق أن هذه الرواية لا يصح نسبتها إلى الفاروق عمر، رضي الله عنه.
لماذا القصة غير صحيحة؟
ذكر الدكتور مختار مرزوق أسبابًا عدة تؤكد عدم صحة الرواية، أبرزها:
- أنها لم ترد في كتب السنة النبوية ولا في كتب التاريخ المعتبرة بإسناد يمكن الاعتماد عليه، رغم البحث عنها.
- أن بعض الباحثين في علم الحديث أكدوا أنها لا أصل لها، وأنها اشتهرت من خلال كتاب "تربية الأولاد في الإسلام" للدكتور عبدالله ناصح علوان، الذي نقلها عن الإمام الغزالي دون إسناد ثابت.
- أن مضمونها قد يُفهم منه تبرير عقوق الوالدين إذا قصّرا في حق الأبناء، وهو معنى يخالف مقاصد الشريعة الإسلامية.
القرآن الكريم يحسم المسألة:
وأشار الدكتور مختار مرزوق إلى أن القرآن الكريم جاء واضحًا في وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما، حتى وإن كانا غير مسلمين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].
وأوضح، أن الآية الكريمة تؤكد أن اختلاف الدين أو وقوع التقصير من الوالدين لا يبيح الإساءة إليهما أو عقوقهما، وإنما تبقى المعاملة بالمعروف واجبة.
حديث «حق الولد على والده» ضعيف:
كما أوضح أن الحديث المشهور: «حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويعلمه الكتاب ويزوجه إذا أدرك» حديث ضعيف جدًا، وقد أورده أبو نعيم في حلية الأولياء، وذكره عدد من أهل العلم، وحكم عليه الإمام الألباني بالضعف الشديد في سلسلة الأحاديث الضعيفة (رقم 3494)، ولذلك لا يصح الاحتجاج به في إثبات الأحكام.
مسؤولية الآباء في التربية ثابتة:
وأكد الدكتور مختار مرزوق أن عدم صحة هذه القصة لا يعني إسقاط مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم، فالإسلام حمّل الوالدين مسؤولية التربية والرعاية، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهو حديث صحيح رواه الإمام البخاري ومسلم.
وأوضح، أن حسن التربية، واختيار الاسم الحسن، وتعليم الأبناء أمور حث عليها الإسلام، لكنها لا تبرر بحال من الأحوال عقوق الوالدين.
ضرورة التثبت قبل نشر الروايات:
وشدد أستاذ التفسير وعلوم القرآن على أهمية التثبت من صحة الروايات المنتشرة، خصوصًا إذا نُسبت إلى الصحابة أو تضمنت أحكامًا شرعية، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
واختتم الدكتور مختار مرزوق بالتأكيد على أن حقيقة قصة عمر بن الخطاب وعقوق الابن تكشف أهمية الرجوع إلى المصادر الموثوقة، وأن بر الوالدين فريضة شرعية لا تسقط بسبب تقصيرهما، كما أن الآباء مطالبون في الوقت نفسه بأداء واجباتهم في تربية أبنائهم ورعايتهم وفق هدي الإسلام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض