ضابط عقوق الوالدين المُحرَّم شرعًا
قالت دار الإفتاء المصرية إن عقوق الوالدين المحرَّم شرعًا هو كل ما يصدر من الولد -ذكرًا كان أو أنثى- من قولٍ أو فعلٍ يترتب عليه أذى أو إيلام ظاهرٌ للوالدين أو أحدهما، وبأيِّ نوعٍ كان من أنواع الأذى، قَلَّ ذلك أو كَثُر، فيشمل الأذى المادِّيِّ، كترك خدمتهما حيث احتاجا إليها، أو عدم قضاء حوائجهما مع القدرة على ذلك، والأذى المعنوي، كرفع الصوت عليهما، أو التأفف من كلامهما والتضجر منهما، أو نهرهما، أو هجرهما وقطع صلتهما.
عقوق الوالدين
وأوضحت الإفتاء عبر حسابها الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنه لا يدخل في العقوق ترك طاعتهما إن أمرا بمعصية، أو كان الطلبُ صادرًا عن تعنُّتٍ أو تحكُّمٍ لا مصلحة فيه، ولا قدرة للولد عليه.
بيان وجوب بر الوالدين في الإسلام
وأكدت أن الله تعالى أمر ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، والتَّلطُّف في معاملتهما، وقرن عبادته ببرِّهما، وشكرهما بشكره، ونهى عن كل ما يؤذيهما من قولٍ أو فعل، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23- 24].
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (10/ 238، ط. دار الكتب المصرية): [أمرَ الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل برَّ الوالدين مقرونًا بذلك، كما قَرَن شكرهما بشكره] اهـ.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: يا رسول الله، أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا»، قلت: ثم أيُّ؟ قال: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَينِ»، قلت: ثم أيُّ؟ قال: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
عقوق الوالدين من كبائر الذنوب
وأضافت أن عقوقُ الوالدين أو أحدِهما أحد كبائر الذنوب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الكبائر، قال: «الإِشرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ، وَقَتلُ النَّفسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
وقد أجمع الفقهاء على وجوب برِّ الوالدين، وعلى أن عقوقهما أو أحدهما حرامٌ شرعًا ومن كبائر الذنوب.
قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (16/ 104، ط. دار إحياء التراث العربي): [وأجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين، وأنَّ عقوقهما حرام من الكبائر] اهـ.
قال الشيخ ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (5/ 381، ط. دار الكتب العلمية): [ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر، فإن شق عليه ولم يضرَّه وجب، وإلَّا فلا] اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (1/ 436، ط. عالم الكتب): [قال أبو بكر في "زاد المسافر": من أغضب والديه وأبكاهما يرجع فيضحكهما. وقال في رواية أبي عبد الله: روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَبَايَعَهُ، فَقَالَ: جِئتُ لِأُبَايِعَكَ عَلَى الجِهَادِ، وَتَرَكت أَبَوَيَّ يَبكِيَانِ، قَالَ: «ارجِع إلَيهِمَا فَأَضحِكهُمَا كَمَا أَبكَيتَهُمَا». وقال الشيخ تقي الدين بعد قول أبي بكر: هذا مقتضى قوله أَن يبرأ في جميع المباحات، فما أمراه ائتمر، وما نهياه انتهى. وهذا فيما كان منفعة لهما ولا ضرر عليه فيه ظاهر، مثل ترك السفر، وترك المبيت عنهما ناحية. والذي ينتفعان به ولا يستضر هو بطاعتهما فيه قسمان: قسم يضرهما تركه، فهذا لا يُستراب في وجوب طاعتهما فيه، بل عندنا هذا يجب للجار. وقسم ينتفعان به ولا يضره أيضًا طاعتهما فيه على مقتضى كلامه، فأما ما كان يضره طاعتهما فيه لم تجب طاعتهما فيه، لكن إن شق عليه ولم يضره وجب] اهـ.
وقال العلامة المناوي في "فيض القدير" (2/ 25، ط. المكتبة التجارية): [(وبر الوالدين) أي طاعتهما والإحسان إليهما فيما لا يخالف الشرع] اهـ.
ضابط عقوق الوالدين المُحرَّم شرعًا
وأشارت إلى أن العقوق المحرَّم هو كل ما يصدر من الولد -ذكرًا كان أو أنثى- من قولٍ أو فعلٍ يترتب عليه أذى أو إيلام ظاهرٌ للوالدين أو أحدهما، وبأيِّ نوعٍ كان من أنواع الأذى، قَلَّ أو كَثُر -كما عبَّر به الفقهاء-، فيشمل الأذى المادِّيِّ، وهو ما كان واقعًا على أبدانهما أو أموالهما، كضربهما، أو إتلاف مالهما، والأذى المعنوي، وهو ما كان واقعًا على مشاعرهما أو كرامتهما، كرفع الصوت عليهما، أو التأفف من كلامهما والتضجر منهما، أو نهرهما، أو هجرهما وقطع صلتهما.
قال العلامة السنهوري في "الوسيط" (1/ 855، ط. دار إحياء التراث العربي): [قد يكون الضرر مادِّيًّا يصيب المضرور في جسمه أو في ماله، وهو الأكثر الغالب. وقد يكون أدبيًّا يصيب المضرور في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه أو أي معنى آخر من المعاني التي يحرص الناس عليها] اهـ.
ويُستدلُّ على عمومِ العقوق لجميعِ أنواع الأذى -مادِّيًّا كان أو معنويًّا- بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]. فإنَّ النهيَ عن التأفُّف -وهو أدنى مراتب الأذى المعنوي- يدلُّ بطريق الأولى على تحريم ما هو أشدُّ منه من أنواع الأذى.
قال الإمام العُكْبَري في "رسالته في أصول الفقه" (ص: 96، ط. المكتبة المكية): [﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، نبَّهَ بالتأفُّفِ على تحريم الشتم والضرب وسائر أسباب التعنيف؛ لأنَّه إنَّما منع من التأفيف لما فيه من الأذى، وذلك بالضرب أعظم، فوجب أن يكون بالمنع أولى] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض