خارج السطر
ما حدث ويحدُث فى السودان أعقد من أن تستوعبه نشرات الأخبار، وتحليلات الخبراء الاستراتيجيين وبوستات التواصل الاجتماعى. وكما تعلمت من صديقى المبدع الراحل مصطفى بيومى أدام الله ألقه ونفعنا برؤاه ـ فإن الرواية هى عدسة مُكبرة، ومنظار حيادي، وكاميرا دقيقة لقراءة كثير من الأحداث السياسية والاقتصادية وآثارها الاجتماعية.
ولا شك أن مأساة السودان تحتاج لقراءات وكشوفات عديدة وعميقة للاقتراب من أوجاع البشر، وتحسسها، وفهم ما ارتكبته السلطة والتكالب عليها فى الوطن وناسه من مساوئ.
وهذا ما فعلته رواية «عائلة شجرة الليمون» للروائى السودانى حامد الناظر من تفكيك لمأساة ما زالت تسير على قدمين. لقد عرفت حامد الناظر مُنذ اثنى عشر عاماً من خلال روايته الساحرة «فُريج المرر» التى فازت بجائزة الشارقة للابداع الأدبى، وتابعت وصول رواياته التالية «نبوءة السقا»، «الطاووس الأسود»، «عينان خضراون» إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية.
وهو من المبُدعين النابهين، الذين يقرأون مشاهد السياسة بُعمق ووعى وذكاء، ففيه نصه الجديد يُقدم حكاية عائلة من الخرطوم، تركتها بعد سقوطها فى أيدى ميليشيات الجنجويد. وبعد تحرر العاصمة على يد الجيش السودانى عاد»بدر» أحد أفراد العائلة إلى البيت فى الخرطوم، ليجده خاويا منهوبا، وجيرانه وأحبته مصابين بالفقد والفقر، وبقايا الجثث فى كل مكان تضخ روائح نتنة والجميع بائسين. ويعرف كيف تعرضت فتيات بريئات للاغتصاب على أيدى الميليشيات المقتحمة للمدينة، وحملت بعضهن سفاحا، وصرن مشاعل عار فى عائلاتهن، فانتحرت بعضهن وانزوت آخريات.
يهوى بدر الرسم، ويُخطط للسفر إلى أمريكا ليعرض إبداعاته، ويحظى بالفعل بمنحة دراسية فى إحدى جامعاتها، لكن حلمه يتم اغتياله بسبب قرار مفاجئ للرئيس ترامب بمنع دخول رعايا بعض الدول، لأمريكا ومن بينها السودان. يُعافر بدر لاصلاح ما أفسدته الحرب، بلم شمل العائلة، وعلاج أمه المريضة، وخدمة الموجوعين، فيصطدم بواقع أشد قسوة، وتيه أوسع من أى احتمال، قبل أن يظهر له شبح مقاتل ارتكب الفظائع خلال الحرب، وصحا ضميره، فسعى لتصحيح مسارات ماضوية دنستها الخطايا.
تبدو اللغة سلسة عذبة، ويستخدم النص إحالات شديدة الوضوح بشأن مأساة السودان الشقيق، فتتمدد عبر صفحاته بعض الإشارات الموثقة لأوجاع البشر، فنقرأ: «إن مسألة الحرب فى بلد كالسودان مسألة قديمة مألوفة كالملاريا. إنها شىء مستعمل ومعاد تدويره بطرق ووسائل شتى».
ويرصد النص حال الخرطوم بعد تحريرها فيقول «عادوا الآن بوجوه واجمة وأجساد منهكة وأيد خاوية. العاصمة التى حلموا طويلاً بالعودة إليها، وكانوا يظنون أنها مستحيلة، لم تكن أفضل حالاً منهم. فليس لديها ما تقدمه لهم، لا كهرباء منتظمة ولا ماء ولا إنترنت».
ويكشف كيف وظفت المصطلحات الإيجابية عن العدل فى إشعال الحرب الأهلية : «ذلك الهراء السياسى الذى ما انفك يدفع بلدنا من حفرة إلى أخرى، يسمونه أحيانا التمثيل العادل وأحيانا قسمة السلطة، وفى أحايين كثيرة المشاركة العادلة والمساواة، لكنه فى كل الأحوال شىء واحد هو السلطة. السلطة تعنى كل ذلك: الحرب والدماء والأخوة والزيف والصدق والنفاق والكذب والمحبة والبغضاء والظلم والعدل وكل المتناقضات التى لا تجتمع إلا تحت مسمى واحد».
ويستعرض بوعى وفهم سودانى لأزمة الدعم السريع وكارثية استخدامه، واصفاً قائد ميليشات الدعم السريع حميدتى بقوله «كان تاجراً للإبل، تحول إلى مقاتل، ثُم زعيم وسياسى وجنرال ومهرب وأفاق وقاتل، إلى أن وصل إلى موقع الرجل الثانى فى الدولة، ثُم ضاقوا به أو هو نفسه ضاق عليه المنصب، فرغب فيما هو أوسع فاشتعلت الحرب».
وتبقى عبارة بطل النص بليغة وآسرة ومُعلمة وهو يقول «قد تبدأ الحرب فى عقل واحد، لكنها تبقى فى ذاكرة الجميع».
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض