رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

روايات وحكايات سمعتها في أزمة مباراة الأرجنتين الأخيرة مع المنتخب المصري بمونديال أمريكا؛ سرديات شعبية وإعلامية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتكشف عن عمق المأزق الفكري الذي نعيشه. سمعت من يعتقد أن حسام حسن أخطأ حين رفع العلم الفلسطيني في المونديال، متسبباً في تحيز الحكم، لا سيما مع استخدامه منصة دولية مغايرة للسياسة لطرح وجهة نظر في غير موقعها. وهناك من يرى كذلك أن هناك خطأً في الخطة، لا سيما في الربع ساعة الأخير من المباراة أمام الفريق المنافس. وهناك ثالث لم يكن يرى استحقاقاً مصرياً بالفوز، وأنه من طبائع الأمور أن نخرج من السباق أمام فريق عظيم كمنتخب الأرجنتين. الآراء الثلاثة التي سمعتها تعبر – في الحقيقة – عن نماذج ثقافية ومعرفية متباينة، وتستحق أن نفهمها في هدوء لتفكيك بنية الوعي فيها.

إن الطرح الذي يتحدث عن خطأ رفع العلم الفلسطيني ويدين تصريحات حسام حسن حول أهل غزة وأحوال فلسطين، هو نفسه الذي يرفض الاعتراف بأن السياسة لا تنفصل عن الرياضة إلا حين يتعلق الأمر بقضايانا. فبينما يتحدث هذا الفريق عن "ذكاء الغياب السياسي" تجنباً لعقوبات المؤسسات الدولية، لا يجد مبرراً يستند إليه في تزكية رفع العلم الأوكراني أو الإسرائيلي من الجمهور واللاعبين في محافل شتى، بل وحتى من الجمهور الأرجنتيني في نفس المباراة!

إن هذا الطرح يعتمد على تبرير الرواية الغربية واستبطان قوانينها الانتقائية وكأنها حقائق مطلقة ومسلم بها. يرى هذا التيار في التضامن الإنساني للمدرب المصري خطأ يستوجب العقاب، وينكر جانباً مهماً من الحق الإنساني والدفاع المشروع عن قضية عادلة أُتيح لغيرها أن تُرفع. إنهم يستنكرون على أنفسهم وأهلهم وشعوبهم المساواة في إعلاء قضيتهم، وهو بالأساس تشوه معرفي ناتج عن غياب التفكير الحر، وانحيازات مسبقة تمليها القوى المهيمنة على صناعة الرياضة العالمية.

الطرح الثاني، الذي يتناول خطة المدرب وفق الجدول الزمني للمباراة، فهو طرح مغاير تماماً؛ إذ يحاكم الحدث بناءً على معرفة تقنية مجردة وعلمية. إن هذه المناقشة – سواء أصابت في التحليل الفني أو أخطأت – إنما تعكس نضجاً معرفياً ومحاولة لتفكيك حقيقية الحدث. ذلك أن الخطط التكتيكية وقراءة الملاعب باتت علماً يُدرس ويُعمل به في مصر وخارجها، والتعامل معه يثبت أننا نملك أدوات النقد الذاتي. علماً بأن هذا النقد لا ينتقص من حسام حسن الذي ظل كمدير فني متقدماً بفريقه وقابضاً على مجريات اللقاء قرابة 80 دقيقة، وأن النقاش حول سلامة تبديلاته ليس مبنياً على فرضية "عقدة الخواجة"، ولا على الاستسلام لفكرة أن المدرب الأرجنتيني أفضل من المدرب المصري تلقائياً، بل هو نقاش قائم على الندّية الفنية داخل الملعب.

ويبقى الطرح الثالث وهو الأكثر خطورة وتشوهاً؛ ذلك الذي ينطلق من أن الحلم المصري بالفوز على الأرجنتين ليس مقبولاً ولا مطروحاً من الأساس. وهو طرح يعاني من تدنٍ وعقدة نقص لا تخفى على عين ناقد. إن فكرة "عدم الاستحقاق المسبق" تنطلق غالباً من خلفية معرفية مهزومة سلفاً، ترى أن الآخر (المركزي الغربي أو اللاتيني المدعوم هالة إعلامية) هو الأفضل دائماً والأحق بالصدارة، حتى لو كانت معطيات الميدان لا تدعمه. هذا الطرح الذي يرى في هزيمة المنتخب قدراً حتمياً، يعاني من جهل واضح في قراءة التاريخ، وفي تقدير النموذج المصري باعتباره قادراً على صياغة نصر كروي بأدواته الخاصة.

الأزمة الحقيقية تكمن في استسهال تكوين سرديات غير عادلة عنا أو عن استحقاقاتنا؛ فيما تبقى فكرة الفصل بين المسارات الوطنية والقومية والإنصاف الفني ضرورة ملحة. إن التحدي الأكبر اليوم هو كيف نقرأ إخفاقاتنا ونجاحاتنا بعيوننا نحن، دون أن نتنازل عن قضايانا العادلة أمام معايير دولية مزدوجة، ودون أن نسقط في فخ الاستصغار الذاتي.