رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لطالما رُوِّج لقانون حرية تداول المعلومات على أنه مطلب نخبوي يخص الصحفيين والباحثين وحدهم، لكن نظرة واحدة على كواليس ملف الدعم الاجتماعي في مصر تكشف العكس تماماً. فبينما تتأرجح بوصلة الحكومة بين الدعم العيني والنقدي، تتشكل في سرية قوائم مليونية تحدد شرائح الفئات المستحقة للدعم من البسطاء. وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يراقب صحة هذه البيانات؟ وكيف يضمن المواطن ألا تبتلعه أخطاء النظام الإلكتروني المعمول به في تحديد شرائح الدعم، أو أن تستبعده معلومات غُذِّي بها النظام الرقمي وفق حسابات غير واقعية؟ من هنا، يطرح حزب الوفد مشروعه لتداول المعلومات في هذا التوقيت بالذات، كإحدى الضمانات الرئيسية لتعزيز الشفافية، ووضع آلية تحمي حقوق الفقراء، وتمنع تحول الدعم الاجتماعي إلى صندوق أسود لا يعلم ما بداخله إلا الراسخون في البيروقراطية.

إن الفكرة السائدة بأن التشريعات الحديثة لا تهم المواطن البسيط الذي يبحث عن قوت يومه هي فكرة قاصرة، بل ومغلوطة تماماً؛ فغياب المعلومة التي تمس مصالح المواطنين هو البيئة الخصبة التي ينمو فيها الفساد والشائعات معاً. وعندما تقرر الدولة -مثلاً- حصر ملايين المواطنين لتوجيه دعم أو حافز مالي لهم، فإنها تعتمد بشكل رئيسي على قواعد بيانات ضخمة ونظم رقمية قد تخطئ وتصيب. وهنا يكمن جوهر الأزمة؛ ففي ظل غياب قانون ملزم لتداول المعلومات، يصبح المواطن المستبعَد عادة ضحية للبيانات الصامتة التي لا يملك الحق في الاطلاع عليها، ولا يدرك المعايير التي بُني عليها قرار رفع اسمه من قوائم حكومية بعينها، أو حتى وضعه في شريحة محدودة ليتفاجأ بنفسه عاجزاً عن إثبات حقه أمام موظف قد لا يملك هو نفسه الإجابة عن تساؤلات المواطنين المشروعة.

من هنا، يأتي مشروع قانون الوفد لتداول المعلومات ليعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس من العدالة الاجتماعية. فالقانون الذي نطرحه يرتكز في جوهره على مفهوم الإفصاح الاستباقي؛ وهو ما يعني إلزام كافة الجهات الحكومية المخاطبة بأحكامه بنشر وتحديث قائمة من المعايير والآليات المرتبطة بالمعلومات، ومن بينها طرق اختيار شريحة مستحقي الدعم، وشروط الحصول على الخدمات، وآليات التظلم منها بشكل علني ومبسط يفهمه الرجل البسيط في قريته وحارته قبل المثقف والصحفي في مجتمعنا. وتترجم نصوص مشروع قانون الوفد هذه الرغبة في إتاحة الشفافية إلى نصوص حاسمة؛ ففي الباب الثاني منه والمتعلق بالإفصاح الإلزامي، تلزم المادة (8) الجهات الحكومية بنشر شروط الدعم والخدمات دورياً، بل وتقضي بالبطلان المطلق لأي قرار إداري يحجب المعلومات تحت ذريعة التعليمات السرية التي طالما أطاحت بحقوق البسطاء، كما تنصف المادة (9) المواطن البسيط بفرض نشر هذه البيانات بلغة عربية سلسة ومفهومة للجميع. ولضمان عدالة المنظومة الإلكترونية ومواجهة الاستبعاد الرقمي العشوائي، تشترط المادة (10) إتاحة البيانات بصيغ تقنية مفتوحة تتيح للمجتمع المدني رقابة معايير الخوارزميات ومطابقتها للواقع، بينما تحدد المادة (11) هذه المعلومات كملك عام يحظر احتكاره، وتكتمل هذه المنظومة في المادة (12) التي تلزم الجهات بتهيئة بيئتها الرقمية لتسهيل نفاذ ذوي الإعاقة وكبار السن – وهم الكتلة الصلبة من مستحقي الدعم – وتيسير وصولهم إلى المعلومات بالمجان.

إن إتاحة هذه المعلومات هي ما يضمن وجود رقابة مجتمعية وشعبية حقيقية؛ فالمواطن عندما يستند إلى شروط معلنة وواضحة، سيكون قادرا على كشف أي تلاعب في أي من المسائل التي تؤثر سلبا أو ايجابا في مصالحه، وكذلك توجيه الدعم بأي شكل أوحجم داخل منطقته الصغيرة ومحاسبة المقصرين.

وبالمقابل، عندما تتوفر الشفافية الرقمية، تنتهي ظاهرة الشائعات الممنهجة التي تثير القلق والبلبلة في الشارع مع كل تحرك اقتصادي للحكومة؛ إذ إن الشفافية تعمل كحائط صد أولي في حماية الأمن الاجتماعي. ويمثل قانون الوفد أداة تمكين حقيقية لأجهزة الرقابة7 الرسمية والمجتمع المدني لمتابعة مسارات أموال الدعم، وضمان وصولها إلى مستحقيها الفعليين دون هدر أو تسريب. كما أن التحول الرقمي الذي تنشده الدولة لا يمكن أن يكتمل بنجاح دون بيئة تشريعية مفتوحة، تتيح للمواطن أن يكون شريكا في القرار وليس مجرد رقم صامت في كشوف المستحقين.

في النهاية، يجب أن ندرك أن معركة رغيف العيش وبطاقة التموين ومعاش تكافل وكرامة وغيرها من برامج الدعم الاجتماعي هي في أحد جوانبها الرئيسية معركة معلومات. لذا ينحاز حزب الوفد لتقديم هذا المشروع بقوة داخل أروقة التشريع، وقبلها أمام الرأي العام المصري؛ باعتباره تشريعاً لا يمثل الجماعة الصحفية أو الإعلامية وحدها، بل يضع درعاً قانونياً يحمي جيوب البسطاء ويضمن أن تظل أموال الدعم حقاً خالصاً لمن يستحقه، بعيداً عن حجب السرية، أو عشوائية البيانات، أو تعنت البيروقراطية. فالشفافية برغم كل تكلفتها المحتملة تعد أملا حقيقيا للفقراء في غد أكثر عدلا وأماناً.