حمل الخطاب الرئاسى للرئيس عبدالفتاح السيسى خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية رسائل بالغة الأهمية داخليا وخارجيا، بيد أن أحد أهم هذه الرسائل والتوجيهات عندما وضع الحياة السياسية والحزبية ضمن أولويات المرحلة المقبلة، وربط بين تنشيطها، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والإسراع فى إجراء انتخابات المجالس المحلية. وهذه ليست مجرد إشارات سياسية، وإنما إعلان واضح بأن الجمهورية الجديدة لا تكتمل فقط ببناء المدن والطرق والمشروعات القومية، وإنما أيضًا ببناء الإنسان، والمؤسسات السياسية، وقنوات المشاركة الشعبية.
الدولة المصرية نجحت خلال السنوات الماضية فى استعادة الاستقرار وبناء مؤسساتها وتعزيز قدراتها، إلا أن هذا النجاح يحتاج إلى ما يمكن تسميته «استعادة الحيوية السياسية»، أى إعادة ديناميات الحياة السياسية وفى مقدمتها الأحزاب إلى موقعها الطبيعى كشريك فى صناعة السياسات العامة، فالدولة القوية لا تكتمل فقط بقوة مؤسساتها التنفيذية، وإنما أيضًا بقوة مجتمعها السياسى، وقدرته على إنتاج الأفكار، وتأهيل القيادات، وتوسيع دوائر المشاركة.
ومن هنا، فإن توجيهات السيد الرئيس بشأن تنشيط الحياة الحزبية لا تستهدف مجرد زيادة النشاط التنظيمى للأحزاب، وإنما تستهدف استعادة الحيوية السياسية المفقودة، من خلال أحزاب تمتلك رؤى وبرامج، وتنتج سياسات، وتخوض نقاشًا عامًا مسؤولًا، وتكون قادرة على تحويل المشاركة السياسية من حدث انتخابى موسمى إلى ممارسة مجتمعية مستمرة.
وهنا يبرز السؤال: ماذا يمكن أن تقدم الأحزاب السياسية؟
الإجابة لا تكمن فى إصدار بيانات التأييد، ولا فى برامج تأهيل وتدريب شكلية أقرب إلى دورات التنمية البشرية إياها، وإنما فى تقديم قيمة مضافة حقيقية للدولة. الدستور المصرى لم ينظر إلى الأحزاب باعتبارها أدوات انتخابية موسمية، بل جعل النظام السياسى قائمًا على التعددية السياسية والحزبية، وهو ما يعنى أن وجود الأحزاب يرتبط بوظيفة رئيسة تتمثل فى تنظيم المشاركة السياسية، وإعداد القيادات، وصياغة البرامج، وتمثيل المصالح المجتمعية، وتقديم رؤى تساعد الدولة على اتخاذ القرار. ولذلك فإن نجاح أى تجربة سياسية لا يقاس بعدد الأحزاب، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة والسياسات.
وبما أن «المشاركة الحقيقية والفاعلة هى جوهر الديمقراطية» فإذا ما تأملنا التوجيهات الرئاسية الأخيرة، سنجد أنها تفتح أمام الأحزاب مساحة واسعة للمشاركة. فالبرنامج الاقتصادى الوطنى الذى سيبدأ بعد انتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولى يحتاج إلى عشرات من أوراق السياسات، والمقترحات التشريعية، والحلول التنفيذية. كما أن ملف تنشيط الحياة الحزبية يحتاج إلى مراجعة شاملة لأداء الأحزاب نفسها، وآليات التواصل مع المواطنين، وأساليب إعداد الكوادر، وتطوير الديمقراطية الداخلية، وبناء قواعد حزبية تمتلك القدرة على المنافسة والعمل الميدانى.
وينطبق الأمر ذاته على انتخابات المجالس المحلية المرتقبة، التى تمثل أكبر فرصة لتجديد النخبة السياسية المصرية خلال العقود الأخيرة. فالمحليات فى المقام الأول مدرسة لإعداد القيادات، ومنصة لاكتشاف الكفاءات، وآلية لترسيخ اللامركزية التى نص عليها الدستور. وإذا لم تبدأ الأحزاب من الآن فى إعداد كوادرها وتأهيل مرشحيها وصياغة برامج تنموية محلية، فإنها ستفقد واحدة من أهم فرص استعادة دورها فى المجال العام.
لقد اعتادت بعض الأحزاب أن تنتظر المبادرات من الدولة، بينما تقتضى طبيعة العمل الحزبى أن تكون الأحزاب نفسها مصدرًا للمبادرات. فالدولة لا تستطيع وحدها إنتاج كل الأفكار، كما أن نجاح السياسات العامة يرتبط بوجود قوى سياسية فاعلة قادرة على مناقشتها وتطويرها وتقديم بدائل لها عند الحاجة. وهذا هو جوهر الحياة السياسية فى أى دولة حديثة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض