«هرمز» والملف النووى يعيدان المنطقة إلى حافة التصعيد
محلل سياسى لـ«الوفد»: الضربات المحدودة ستستمر.. ولا عودة للحرب الشاملة
«الجارديان»: غموض «التفاهم».. وخبراء: الشرق الأوسط أمام مرحلة خطرة
يتزايد الغموض حول مستقبل مذكرة التفاهم التى توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران قبل أسابيع، فى ظل التصعيد العسكرى المتبادل واستمرار الخلافات حول تنفيذ بنودها، وسط تحذيرات من أن الاتفاق الذى كان يهدف إلى فتح الباب أمام مفاوضات سلام أوسع قد يلقى المصير نفسه الذى انتهى إليه الاتفاق النووى المبرم عام 2015.
ويرى مراقبون أن التصعيد الأخير، بما فى ذلك الهجمات المتبادلة فى محيط مضيق هرمز قد يبدو فى ظاهره نتيجة لتراكم أحداث متزامنة. ففى الوقت الذى واصل فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب انتقاد حلفائه الأوروبيين، كانت إيران تعيش حالة من التعبئة الداخلية عقب اغتيال مرشدها الأعلى على خامنئى مؤكدة أنها لن ترضخ للتهديدات أو الضغوط العسكرية، بحسب تحليل نشرته صحيفة «الجارديان».
قال الكاتب والمحلل السياسى الدكتور أحمد محارم من نيويورك للوفد إنه لا يعتقد بوجود فرصة حقيقية لعودة الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران، موضحًا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن واشنطن لم تحقق من خلال الحرب الأهداف التى كانت تسعى إليها، وهو ما دفعها إلى إدراك أن خيار المفاوضات أصبح المسار الوحيد المتاح.
وأضاف أن الولايات المتحدة مارست مختلف أشكال الضغوط على إيران، خاصة الضغوط الاقتصادية، فى محاولة لخنقها ودفعها إلى الاستسلام، إلا أن هذه السياسة لم تحقق النتائج المرجوة، بل عززت لدى الجانب الإيرانى حالة من الغضب والعناد.
وأوضح «محارم» أن إيران تنظر إلى ميزان الربح والخسارة من زاوية مختلفة، إذ أصبح مضيق هرمز، بما يمنحه لها موقعها الجغرافى من نفوذ، أكثر أهمية من تفاصيل البرنامج النووى نفسه فى أى مفاوضات مقبلة، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها فى مأزق بعدما تسبب إغلاق المضيق فى أزمة اقتصادية عالمية.
وأشار إلى أنه يتوقع استمرار الضربات العسكرية المحدودة من جانب الولايات المتحدة، وهو ما سيدفع إيران إلى مواصلة الرد باستهداف القواعد الأمريكية فى منطقة الخليج، التى تحملت بالفعل أعباء اقتصادية وأمنية منذ اندلاع الحرب. وأضاف أن الوصف الأدق لما جرى هو أنه كان «عدوانًا أمريكيًا إسرائيليًا على إيران»، مؤكدًا أن استمرار سياسة الضغوط الأمريكية لن يكون مجديًا فى تغيير الموقف الإيرانى.
ولفت إلى أن مطالبة إيران بتحصيل رسوم، تحت أى مسمى، مقابل تقديم خدمات وتأمين مرور السفن عبر مضيق هرمز، تأتى فى إطار محاولتها تعويض الخسائر التى تكبدتها خلال الحرب.
وأكد الباحث السياسى أن المرحلة المقبلة ستشهد على الأرجح جولات جديدة من المفاوضات، أملًا فى التوصل إلى حلول عملية تنهى الصراع وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
كما يشير تحليل «الجارديان» إلى أن هذا التصعيد قد لا يكون عابرًا، إذ باتت المؤسسة العسكرية الإيرانية وليس الدبلوماسيون صاحبة التأثير الأكبر فى صنع القرار بعدما فشلت إجراءات بناء الثقة بين الجانبين فى تحقيق تقدم حقيقى.
وقال مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق إريك بروير إن الرئيس الأمريكى يواجه حاليًا تداعيات الاتفاق الذى وافق عليه، موضحًا أن ترامب قبل بمذكرة تفاهم غامضة أجلت القضايا الخلافية إلى مراحل لاحقة، نتيجة مخاوفه من الكلفة الاقتصادية لاستمرار الحرب، إضافة إلى شكوكه فى قدرة العمليات العسكرية على تحقيق حسم نهائى.
بدورها، قالت الباحثة إيلى جيرانمايه، من المجلس الأوروبى للعلاقات الخارجية، إن جوهر الأزمة لا يتعلق بمبدأ الاتفاق، وإنما بترتيب تنفيذ الالتزامات، موضحة أن إيران ترفض التخلى عن نفوذها فى مضيق هرمز قبل الحصول على ضمانات تتعلق بتخفيف العقوبات الأمريكية، بينما ترى إدارة ترامب أن إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية تمثل الهدف الأساسى الذى قامت عليه مذكرة التفاهم.
ويؤكد دبلوماسيون إيرانيون أن الاتفاق صيغ منذ البداية بحيث يتم تأجيل مناقشة الملف النووى إلى مراحل لاحقة، مقابل حصول طهران أولًا على مكاسب اقتصادية، أبرزها تخفيف العقوبات والإفراج عن جزء من أموالها المجمدة.
وترى إيران أن أى خطوة لإعادة فتح المضيق بالكامل، سواء عبر إزالة الألغام أو تنظيم مرور السفن دون موافقتها، تعنى عمليًا فقدان أهم ورقة ضغط تمتلكها فى مواجهة الولايات المتحدة.
كما أثار ارتفاع حركة الملاحة عبر المسار الجنوبى للمضيق، وما صاحبه من تراجع أسعار النفط، مخاوف إيرانية من تراجع قدرتها على استخدام المضيق كورقة تفاوضية، سواء للحصول على تخفيف للعقوبات أو لضمان استمرار وقف إطلاق النار فى لبنان.
وفى المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أن مذكرة التفاهم لم تمنح إيران أى حق فى التحكم بحركة الملاحة، وأن هدفها الرئيسى كان إعادة فتح مضيق هرمز أمام التجارة العالمية.
وزادت الأزمة تعقيدًا بعدما ألغت واشنطن الإعفاء المؤقت من العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية بعد أيام قليلة من إقراره، وهو ما اعتبرته طهران تقويضا لأهم مكسب اقتصادى حققته من الاتفاق.
وتتفق مجلة «نيوزويك» مع هذا التقييم، معتبرة أن الغموض الذى أحاط بمذكرة التفاهم كان نقطة ضعفها الأساسية، إذ ترك العديد من الملفات الحساسة دون حسم، وعلى رأسها الملف النووى، ومستقبل العقوبات، والأصول الإيرانية المجمدة، وحدود النفوذ الإيرانى فى مضيق هرمز، وهو ما فتح الباب أمام تفسيرات متباينة لبنود الاتفاق.
وقال نيسان رفعت، كبير محللى الشأن الإيرانى فى مجموعة الأزمات الدولية، إن تأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا ربما بدا حلًا عمليًا لتخفيف التوتر فى البداية، لكنه أدى فى النهاية إلى زيادة فرص انهيار الاتفاق بسبب اختلاف تفسير كل طرف لالتزاماته.
وقال آلان آير، المسئول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية وعضو فريق التفاوض الخاص بالاتفاق النووى، إن الإدارة الأمريكية لجأت إلى مذكرة التفاهم بعدما أدركت أن التفوق العسكرى وحده لم يحقق أهدافها، بل أدى إلى إغلاق مضيق هرمز وتهديد التجارة العالمية.
واختتم «آير» بالقول إن فرص توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق جديد بشأن البرنامج النووى أصبحت ضعيفة للغاية، فى ظل اتساع فجوة الثقة بين الطرفين واستمرار المواجهة العسكرية، وهو ما يجعل المنطقة أمام مرحلة شديدة التعقيد قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والأمن الإقليمى خلال الفترة المقبلة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض