لطالما قيل إن كرة القدم هي اللعبة الأكثر عدالة، وإن المستطيل الأخضر لا يعترف إلا بمن يبذل الجهد ويستحق الفوز ولكن مع مرور السنوات، أصبح من الصعب الفصل بين الرياضة والسياسة والاقتصاد، عندما يتعلق الأمر بالبطولات الكبرى التي تحولت إلى صناعة تدر مليارات الدولارات، وتؤثر نتائجها في أسواق الرعاية والإعلانات وحقوق البث وصورة الدول، لهذا لم يكن ما شهدناه في مباراة المنتخب المصري أمام الأرجنتين مجرد خسارة في مباراة لكرة القدم، بل مشهداً أعاد إلى الواجهة التساؤلات القديمة حول مدى حياد المنظومة الكروية الدولية، وحول ما إذا كانت جميع المنتخبات تُعامل بالمعايير نفسها، أم أن هناك حسابات أخرى تتجاوز الأداء داخل الملعب.
لقد قدم المنتخب المصري واحدة من أفضل مبارياته، ونجح في فرض أسلوبه على منتخب يضم نخبة من نجوم العالم، وكان قريباً من تحقيق إنجاز تاريخي، ولم يشعر المتابع طوال معظم فترات اللقاء، بفارق الإمكانات أو التاريخ بين المنتخبين، بل إن الإرادة والانضباط التكتيكي المصري كانا عنواناً للمباراة، ولكن الدقائق الأخيرة حملت تحول دراماتيكي فقد تراجع الأداء بصورة مفاجئة، وجاءت بعض التغييرات الفنية لتزيد من حالة الارتباك، في الوقت الذي أثارت فيه قرارات الحكم كثيراً من الجدل، سواء في طريقة إدارة الاحتكاكات أو في توزيع الإنذارات، الأمر الذي أثر على إيقاع المنتخب المصري وأفقد لاعبيه جزءاً من تركيزهم في لحظات كانت هي الأهم في اللقاء.
ولا يتعلق الأمر هنا بمباراة واحدة بل بسياق أوسع شهد عبر سنوات طويلة حالات تحكيمية أثارت اعتراضات منتخبات وجماهير من مختلف القارات، وهو ما جعل الحديث عن ازدواجية المعايير يتكرر في كل بطولة كبرى، فحين تكون الأخطاء دائماً في اتجاه واحد، أو يشعر الطرف الأضعف بأنه لا يحظى بالحماية نفسها التي تحظى بها المنتخبات الكبرى، يصبح من الطبيعي أن تثار علامات الاستفهام.
ولا يمكن أيضاً تجاهل أن الفيفا ليست مجرد مؤسسة رياضية، بل منظمة تدير واحدة من أكبر الصناعات الاقتصادية في العالم، فبطولات كأس العالم ترتبط بعقود رعاية بمليارات الدولارات وحقوق بث هائلة، واستثمارات إعلامية وتسويقية ضخمة، ومن ثم فإن استمرار المنتخبات ذات الجماهيرية العالمية يحقق قيمة تجارية أكبر، وهو ما يدفع كثيرين إلى التساؤل حول مدى تأثير المصالح الاقتصادية في صناعة المشهد الكروي، حتى وإن لم توجد أدلة مباشرة على تدخلها في نتائج المباريات.
كما أن التاريخ الحديث للفيفا لم يكن خالياً من الأزمات، فقد شهدت المؤسسة ملفات فساد وتحقيقات دولية أطاحت بعدد من كبار مسؤوليها، وهو ما ترك أثراً عميقاً على صورتها أمام الرأي العام، ورسخ حالة من الشك لدى الجماهير كلما ظهرت قرارات تحكيمية مثيرة للجدل أو وقائع يصعب تفسيرها داخل البطولات الكبرى.
ورغم كل ما حدث فإن المنتخب المصري خرج من البطولة وهو الرابح معنوياً، فقد قدم أداءً أعاد الثقة في الكرة المصرية، وأثبت أن الفارق بين الكبار والطامحين لم يعد كبيراً كما كان في السابق، وأن اللاعب المصري قادر على منافسة أفضل منتخبات العالم متى توافرت له المنظومة الداعمة، لقد كسب المنتخب احترام الجماهير، ونال إشادة العديد من المتابعين حول العالم، بينما كشفت المباراة في المقابل، أن منظومة كرة القدم العالمية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الشفافية والعدالة، وإلى مراجعة حقيقية تضمن أن تكون المنافسة محكومة فقط بما يحدث داخل الملعب، لا بما يدور خارجه.
إن الدفاع عن نزاهة كرة القدم لا يكون بإنكار الأخطاء أو تجاهل علامات الاستفهام، بل بالاعتراف بأن العدالة الرياضية هي أساس بقاء اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فحين يشعر أي منتخب بأن الفرص ليست متكافئة، تتراجع الثقة في المنافسة، وتتحول كرة القدم من ساحة للأحلام إلى ساحة للشكوك.
ويبقى السؤال مطروحاً أمام الجميع من كل دول العالم: هل يستطيع الفيفا أن يقنع العالم بأن العدالة تُطبق على الجميع بالقدر نفسه؟ أم أن ازدواجية المعايير ستظل تلاحق أكبر مؤسسة كروية في العالم، كلما اصطدمت طموحات المنتخبات الصاعدة بمصالح الكبار؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض