رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

كثيرا ََ ما ينشغل الناس بطريقة الوصول إلى المواقع والمناصب أكثر مما ينشغلون بما يحدث بعد الوصول إليها .. وتدور المناقشات طويلا ََ حول الأفضل: 
هل يكون الاختيار بالانتخاب أم بالتعيين؟ 
وكأن مجرد حسم طريقة الوصول كفيل بضمان النجاح، مع أن التجارب تؤكد أن السؤال الأهم ليس دائمًا: 
كيف وصل المسؤول؟ وإنما: ماذا فعل بعد أن وصل؟
فالانتخاب يمنح صاحبه شرعية مصدرها ثقة من اختاروه، والتعيين يمنحه مسؤولية مصدرها ثقة من اختاره ووضعه في موقع يرى أنه أهل له .. لكن الشرعيتين، على اختلاف مصدرهما، تلتقيان عند اختبار واحد لا يمكن الهروب منه، هو اختبار القدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية.

ليس كل منتخب ناجحا ََ لمجرد أن الصندوق جاء به، كما أن كل معين ليس أقل شرعية في أداء مهمته لمجرد أنه لم يصل عبر الانتخابات .. فقد تأتي الانتخابات بمن يجيد مخاطبة الجماهير وحشد الأصوات، لكنه يعجز عن الإدارة واتخاذ القرار، وقد يأتي التعيين بكفاءة حقيقية تستطيع أن تحقق في فترة قصيرة ما عجز عنه آخرون في سنوات. والعكس صحيح أيضا ََ ؛ فقد يكون المنتخب جديرا ََ بالثقة التي حصل عليها، وقد يكون التعيين قائما ََ على المجاملة أو الولاء لا على الكفاءة.

إذن فالقضية ليست في الوسيلة وحدها، وإنما فيما يحدث بعدها.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتصور المسؤول أن الوصول إلى الموقع كان هو المعركة، وأن الفوز بالانتخابات أو صدور قرار التعيين يمثل نهاية الطريق .. بينما الحقيقة أن الطريق يبدأ من تلك اللحظة تحديدا ََ .. فالموقع ليس جائزة تُمنح، ولا شهادة تفوق دائمة، وإنما تكليف ثقيل يخضع صاحبه كل يوم لامتحان جديد أمام من وضعوا ثقتهم فيه.

ومشكلة بعض من يصلون إلى المواقع أنهم يبدأون سريعا ََ في بناء دوائر الولاء بدلا ََ من بناء مؤسسات العمل .. فيقترب منهم من يجيدون التصفيق، ويبتعد أصحاب الرأي، ويصبح الاختلاف مصدر إزعاج، والنقد نوعا ََ من العداء، والنصيحة محاولة للنيل من المكانة. وهنا تبدأ المؤسسة في دفع ثمن خطير؛ لأن المسؤول الذي لا يسمع إلا صدى صوته، لن يعرف حقيقة ما يجري حوله إلا بعد فوات الأوان.

ولا يختلف الأمر كثيرا ََ في الأحزاب أو النقابات أو المؤسسات العامة والخاصة .. فالانتخاب لا يعطي صاحبه تفويضا ََ مطلقا ََ، والتعيين لا يمنحه حصانة من التقييم .. وفي الحالتين يجب أن تكون هناك أهداف معلنة، واختصاصات واضحة، وآليات متابعة حقيقية، ومعايير يمكن من خلالها قياس النجاح أو الفشل.

فالقيادة ليست أن تجلس في مقدمة الصفوف، وإنما أن تعرف إلى أين تتحرك الصفوف.
وليست الإدارة إصدار التعليمات، وإنما القدرة على تحويل الرؤية إلى خطط، والخطط إلى مهام، والمهام إلى نتائج يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عنها.

أما أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة، فهو أن تتحول المواقع فيها إلى ملكيات شخصية، وأن يصبح السؤال عن الإنجاز نوعا ًَ من قلة التجاوز، والمحاسبة نوعا ََ من المؤامرة، والتغيير اعتداء ََ على حقوق مكتسبة لا وجود لها أصلا ََ.

إن المنصب العام أو الحزبي أو الإداري لا يعرف الحقوق المكتسبة ، وإنما يعرف المسؤولية المتجددة .. ومن ينجح اليوم قد يفشل غدا ََ إن توقف عن التطور، ومن كان مناسبا ََ لمرحلة قد لا يكون الأنسب لمرحلة أخرى. 
والمؤسسات القوية هي التي تستطيع أن تراجع نفسها، وأن تغيّر أدواتها ورجالها عندما تقتضي المصلحة ذلك، دون خوف أو مجاملة أو حسابات شخصية.

ولهذا فإنني أرى أن الجدل الطويل حول الانتخاب والتعيين سيظل ناقصا ََ ما لم يصاحبه سؤال أكثر صراحة:  ماذا بعد الاختيار؟
هل توجد رؤية واضحة؟  هل هناك برنامج عمل؟ هل يعرف كل مسؤول حدود اختصاصاته؟ 
هل توجد متابعة حقيقية؟ هل يتم تقييم الأداء بعيدا ََ عن العلاقات والمجاملات؟ 
وهل توجد شجاعة للاعتراف بالخطأ وتصحيحه؟

هذه هي الأسئلة التي تصنع المؤسسات، وليس مجرد الطريقة التي جلس بها شخص على مقعده.
فقد يمنح الانتخاب شرعية الوصول، وقد يمنح التعيين شرعية الاختيار .. لكن كليهما لا يمنح شرعية البقاء والنجاح إلا بالإنجاز.

وفي النهاية .. لا التاريخ يتذكر عدد الأصوات التي حصل عليها المسؤول، ولا القرارات التي حملت اسمه إلى المنصب، بقدر ما يتذكر ما تركه خلفه بعد أن غادره.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يسبق كل تصفيق لفائز، وكل تهنئة لمعين:
وصلت إلى الموقع .. فماذا ستفعل به؟