رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كيف يزعج منتخب مصر الأرجنتين؟

مصر ضد الأرجنتين
مصر ضد الأرجنتين

ساعات قليلة تفصلنا عن المواجهة المرتقبة بين منتخب مصر ونظيره الأرجنتيني في دور الـ16 من كأس العالم 2026، التي تجمعهما في مدينة أتالانتا.
وكان منتخب مصر تأهل إلى دور الـ16 من كأس العالم بعد الصعود على حساب أستراليا بركلات الترجيح بنتيجة 4-2 بعد انتهاء الأشواط الأصلية والإضافية بالتعادل 1-1، فيما صعدت الأرجنتين بعد الفوز على الرأس الأخضر بنتيجة 3-2.


كيف يزعج منتخب مصر الأرجنتين؟

قبل الموقعة في مدينة أتالانتا، كيف ينجح منتخب مصر في إزعاج بطل العالم وتخطي دور الـ16؟ بالنظر إلى مواجهة الأرجنتين أمام الأردن والرأس الأخضر، اللذان يعتبرنا منتخبان صغيران للتانجو، قدم المنتخبين نهجان متعاكسان تماماً، ونتيجة واحدة في النهاية الخسارة أمام الأرجنتين. 
انسحب الأردن في مباراته أمام الأرجنتين للخلف وامتلك 27% فقط من الكرة، وخسر 1-3، أما الرأس الأخضر، في أول ظهور مونديالي بتاريخها، فرض على بطل العالم 120 دقيقة كاملة وكاد يقصيه، المقارنة بين المباراتين لا ترسم وصفة واحدة لمصر، بل تكشف أي الطريقين يعمل ضد الأرجنتين وأيهما يقود إلى الهيمنة عليك.

 

مباراة الأردن.. الانسحاب وحده لا يكفي


خلافاً للانطباع الأول، لم يكن الأردن الفريق الأفضل في مباراته، حيث أن الأرجنتين سيطرت على كل مؤشرات اللعب تقريباً: 73% استحواذاً، و801 تمريرة مقابل 285، و2.13 من الأهداف المتوقعة مقابل 0.76 فقط للأردن، وثلاث فرص خطيرة مقابل واحدة، جلس الأردن في كتلة دفاعية منخفضة، وترك الكرة لحامل اللقب، وراهن على المرتدات وركض مسافة أطول (96.5 كم مقابل 94.0) في محاولة لتعويض فارق الجودة بالمجهود البدني.
المشكلة أن هذا النهج منح الأرجنتين بالضبط ما تجيده: الوقت والمساحة لبناء اللعب بهدوء عبر إنزو فرنانديز ودي بول، جاء هدف الأردن الوحيد في الدقيقة 55 من أفضل لحظة نظمها الفريق طوال المباراة: بناء على الجناح الأيمن، عرضية أرضية منخفضة من القائد إحسان حداد، وجرْيَة من موسى التعمري خلف المدافع أنهاها بيسراه في الشباك، لكنها كانت اللحظة المضيئة الوحيدة تقريباً في مباراة سيطر عليها الخصم.

هدف الأردن
هدف الأردن

والأسوأ أن الأردن خسر المباراة من الكرات الثابتة،  الأرجنتين حسمتها بثلاث لحظات ثابتة، ركلة حرة من لو تشيلسو في الدقيقة 19، ركلة جزاء نفذها لاوتارو مارتينيز في الدقيقة 31، وركلة حرة أنهى بها ميسي المباراة في الدقيقة 80. الدرس الذي قد يكون الأردن خرج به، هو أن الانسحاب الكامل يسلم الأرجنتين إيقاعها المفضل، ومن يمنحها ركلات ثابتة قرب المنطقة يسلّمها السلاح الذي تحسم به فعلاً.

ركلة حرة أنهى بها ميسي المباراة 
ركلة حرة أنهى بها ميسي المباراة أمام الأردن

الرأس الأخضر


إذا كان الأردن أظهر ما لا يجب فعله، فالرأس الأخضر أظهر ما يقترب من النجاح، المباراة انتهت 3-2 بعد 120 دقيقة، وجاء هدف الحسم الأرجنتيني في مرمى الرأس الأخضر نفسه، لا من قدم لاعب أرجنتيني.

استحوذ الرأس الأخضر على 36% فقط، قريباً من نسبة الأردن، لكنه وصل إلى نتيجة مختلفة تماماً، حيث أن نجح في هزّ شباك الأرجنتين مرتين، الفارق لم يكن في امتلاك الكرة، بل في فاعلية اللحظة.


الهدف الأول لديروي دوارتي في الدقيقة 59 ، الذي جاء من هجمة منظمة على الجناح الأيمن تجاوزت الضغط العالي للأرجنتين، تلتها مراوغة من القائد ريان مينديز الذي مرّر الكرة داخل المنطقة، ليتسلل دوارتي إلى مساحة خالية ويسدد كرة أرضية مرّت بين قدمي ليساندرو مارتينيز، أما الهدف الثاني لسيدني كابرال في الدقيقة 103 من الوقت الإضافي، فكان من نوع آخر تماماً، تسديدة “ملتفة” من حافة المنطقة سكنت الزاوية البعيدة، لحظة عبقرية فردية أكثر منها ثغرة دفاعية.

هدف الرأس الأخضر الأول
هدف الرأس الأخضر الأول
هدف الرأس الأخضر الثاني
هدف الرأس الأخضر الثاني

الدرس المفيد لمنتخب مصر قبل مواجهة الأرجنتين يأتي من الهدف الأول لا الثاني، اختراق دوارتي كشف أن دفاع الأرجنتين يُضرب خلف الظهر حين تتفكك كتلته تحت هجمة منظمة، إذ تسلل لاعب وسط إلى مساحة اختفى فيها عن رقابة الخط الأرجنتيني. 
الثنائي روميرو وليساندرو مارتينيز مدافعي منتخب الأرجنتين ممتازان في الالتحام المباشر والكرات الهوائية، لكنهما أبطأ في معالجة المساحات المفتوحة خلفهما، هدف كابرال، في المقابل، لا يصلح دليلاً على خلل دفاعي، بل على أن الأرجنتين قد تُعاقَب حتى بلحظة فردية حين تترك المباراة مفتوحة طويلاً.
والأهم أن الرأس الأخضر لم يكتفِ بالدفاع؛ بل خلق تهديداً حتى الرمق الأخير، وأجبر إميليانو مارتينيز على تصديات حاسمة في الوقت الإضافي، من بينها تصدّيان لفرص محققة.
الأرجنتين، رغم 22 تسديدة و10 على المرمى و64% استحواذاً و2.26 من الأهداف المتوقعة، عجزت عن الحسم في التسعين دقيقة، وسط تألق حارس الرأس الأخضر وإنقاذه لمرماه ثماني مرات أمام راقصي التانجو،  قبل أن يستقبل هدفا ذاتيا في الوقت الإضافي، في مباراة مفتوحة ظلت حتى 124 دقيقة.

 

لماذا نجح نهج الرأس الأخضر وفشلت الأردن؟


الفارق ليس في الاستحواذ، فكلاهما تنازل عن الكرة (27% و36%)، الفارق في ما فعله كل منهما باللحظات القليلة التي سنحت لهما، الأردن، حين استعاد الكرة، لم يملك الحدّة الهجومية لتحويل مرتداته إلى تهديد متكرر، فبقيت خطورته عند 0.76 من الأهداف المتوقعة، أما الرأس الأخضر بالسرعة والجرأة في التحولات، ضرب خلف الدفاع مرتين واقترب من الثالثة.
وهنا الدرس لمنتخب مصر قبل موقعة اليوم، هو أن الانسحاب الدفاعي وحده ليس خطة، بل انتحار بطيء يمنح الأرجنتين إيقاعها، الخطة الناجحة هي الانسحاب المنظم المقترن بتحولات سريعة وحاسمة خلف خط الدفاع، مع انضباط صارم في تجنّب الأخطاء قرب المنطقة التي تفتح باب الكرات الثابتة.

حين تضع المباراتين جنباً إلى جنب، تظهر أربعة أنماط تفيد مصر مباشرة، الأول أن دفاع الأرجنتين يُخترق من خلف ظهره لا من وجهه، حين تتفكك كتلته تحت هجمة منظمة، مثل هدف دوارتي الذي جاء من اختراق كسر الضغط العالي ثم تسلّل لاعب وسط خلف الخط، وهدف التعمري أمام الأردن جاء بالنمط نفسه أيضًا، عرضية أرضية من حداد، وتحرك من التعمري خلف المدافع ليكملها، الاثنان اختراق منظّم للمساحة خلف الدفاع، لا ارتداد عشوائي ولا اختراق مباشر لوجه الكتلة.


سرعة صلاح ومرموش هي النوع الذي يعاقب هذه الثغرة تحديداً، (هدف كابرال الثاني للرأس الأخضر استثناء، إذ جاء من تسديدة فردية خارج المنطقة لا من ثغرة دفاعية).

الثاني أن الأرجنتين تهدر، مثلما أهدرت ركلة جزاء أمام النمسا، وفرصاً كبيرة متتالية أمام الرأس الأخضر، وفشلت في تحويل 2.26 من الأهداف المتوقعة إلى حسم في التسعين دقيقة، هذا الإهدار يبقي المباراة مفتوحة لمن يصبر.
الثالث للأرجنتين هو الكرات الثابتة الذي يعتبر سلاحها القاتل، أهداف التانجو الثلاثة كلها في شباك الأردن جاءت من ركلتين حرتين وركلة جزاء، وهدف ليساندرو مارتينيز أمام الرأس الأخضر من ركنية. أي منتخب يمنحها هذه اللحظات قرب منطقته يخاطر بتسليمها المباراة، وانضباط مصر في تجنّب الأخطاء قرب المنطقة نصف المعركة.

الركنية التي سبقت هدف الأرجنتين عبر ليساندرو مارتينيز
الركنية التي سبقت هدف الأرجنتين عبر ليساندرو مارتينيز

الرابع أن الأرجنتين تتوتر حين يتأخر الحسم، ظهر ذلك في الوقت الإضافي أمام الرأس الأخضر، حين تراجع تركيزها الدفاعي وسمحت بهدف التعادل في الدقيقة 103 بعد دقائق من تقدمها، بدأ الضغط النفسي يظهر عليها مع كل دقيقة تمر.

 

ما الذي تملكه مصر ولم يملكه المنتخبان


النمط الذي كسر دفاع الأرجنتين، هو التحولات السريعة خلف المدافعين والفارق الوحيد الذي أوقف الأردن والرأس الأخضر عند حدّ "الإزعاج" دون "الإقصاء" هو غياب الحاسم الأخير أمام المرمى؛ الرأس الأخضر خلق الفرص لكنه لم يكفِ، والأردن لم يخلقها أصلاً.

مصر تملك ما افتقده الاثنان، حيث يملك المنتخب المصري، صلاح ومرموش (هيثم حسن) اللذان يوفران السرعة التي تعاقب المساحة خلف روميرو ومارتينيز، وإمام عاشور يضيف الوصول المتأخر من العمق، إذا جمعت مصر بين انضباط الرأس الأخضر الدفاعي وحدّته في التحول، وأضافت إليهما كفاءة هجومية لم تكن متاحة لأيٍّ من المنتخبين، فلن يكون منتخب مصر "مزعجا فقط" أمام بطل العالم، فقد يتحوّل إلى ما هو أكبر.
 

مرموش وصلاح
مرموش وصلاح
هيثم حسن وصلاح
هيثم حسن وصلاح