رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى


القراءة الرابعة (٤/٤)

إذا كان العالم يتغير .. فكيف يجب أن نتغير نحن؟
 

بعد ثلاث قراءات حاولنا فيها الاقتراب من فهم ما يشهده العالم من تحولات متسارعة، قد يكون من الطبيعي أن يظل السؤال معلقا ََ: 
إذا كان العالم يتغير بهذه السرعة، فماذا ينبغي علينا أن نفعل؟ 
وهل يكفي أن نراقب الأحداث ونحللها، أم أن المرحلة تفرض علينا أن نعيد النظر في طريقة إعداد الإنسان نفسه لمواجهة المستقبل؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس التغيير في حد ذاته، وإنما أن يستمر الإنسان في التفكير بعقل الأمس بينما يعيش في عالم الغد. فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات لم تتراجع لأنها عجزت عن مقاومة الآخرين فحسب، بل لأنها تأخرت في فهم طبيعة العصر الجديد، وظلت أسيرة أدوات لم تعد صالحة، ومفاهيم فقدت قدرتها على مواكبة الواقع.
إن العالم الذي يتشكل أمام أعيننا لن يمنح الأفضلية لمن يمتلك الثروات وحدها، ولا لمن يرفع الشعارات الأكثر بريقا ََ، بل لمن يملك الإنسان الأكثر علما ََ، والأكثر قدرة على التعلم، والأسرع في التكيف، والأكثر استعدادا ََ لإعادة تطوير نفسه كلما فرض الواقع ذلك.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من التحولات الكبرى عبر التاريخ هو أن الاستثمار الحقيقي لم يكن يوما ََ في الحجر قبل البشر، ولا في الموارد قبل العقول .. فالموارد قد تنفد، والثروات قد تتراجع، أما الإنسان القادر على التفكير والإبداع والتطوير، فهو القادر دائما ََ على صناعة موارد جديدة، وابتكار فرص جديدة، وبناء مستقبل جديد.
ولهذا، فإن معركة المستقبل لن تكون معركة جيوش فقط، ولا معركة اقتصادات فقط، بل ستكون في جوهرها معركة تعليم، وبحث علمي، وابتكار، وثقافة، وإدارة، وقدرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قوة اقتصادية وحضارية.
ولا يعني ذلك أن نهمل قيمنا أو هويتنا، بل على العكس، فكل انتقال حضاري ناجح في التاريخ حافظ على ثوابته الكبرى، بينما طور أدواته وآلياته. فالهوية ليست عائقا ََ أمام التقدم، وإنما هي البوصلة التي تمنع المجتمعات من أن تفقد نفسها وهي تسير نحو المستقبل، والتحديث الحقيقي لا يعني تقليد الآخرين، وإنما يعني امتلاك القدرة على الاستفادة من تجاربهم مع الحفاظ على خصوصيتنا الحضارية والثقافية.

ومن هنا، فإن مسؤولية الحكومات لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات التعليمية والإعلامية والأحزاب السياسية، بل تمتد إلى الأسرة أيضا ََ. فإعداد الإنسان لعالم الغد لم يعد مهمة وزارة بعينها، وإنما أصبح مشروعا ََ وطنيا ََ متكاملا ََ، يبدأ من المدرسة، ويمر بالجامعة، ويستمر في بيئة العمل، ويجد صداه في الإعلام والثقافة والخطاب العام.
وربما يكون من الحكمة أن نتوقف عن سؤال: 
ماذا سيحدث بعد عشر سنوات؟ 
وأن نستبدله بسؤال أكثر فائدة: 
هل نُعد أبناءنا ليكونوا قادرين على التعامل مع ما سيحدث بعد عشر سنوات، مهما كانت طبيعة ذلك التغيير؟
إن الأمم التي تنتظر المستقبل حتى يصل إليها، غالبا ََ ما تجد نفسها مضطرة للتعامل مع نتائج صنعها الآخرون .. أما الأمم التي تستشرف القادم، وتستثمر في الإنسان، وتبني المعرفة، وتراجع سياساتها باستمرار، فهي التي تمتلك فرصة المشاركة في صناعة المستقبل، لا مجرد التكيف معه.
ولذلك؛ فإن الرسالة التي حاولت هذه السلسلة أن تطرحها ليست أن العالم يمر بمرحلة استثنائية فحسب، بل أن كل مرحلة انتقالية، مهما بلغت صعوبتها، تحمل في داخلها فرصا ََ بقدر ما تحمل من تحديات .. ويبقى الفارق الحقيقي بين الأمم هو قدرتها على قراءة اللحظة التاريخية، والاستعداد لها، والتحرك قبل أن تتحول الفرص إلى واقع يصنعه الآخرون.
لقد بدأت هذه السلسلة بسؤال: 
هل ما نراه مجرد فوضى؟ 
وانتهيت إلى سؤال آخر أكثر أهمية: 
هل نحن مستعدون للعالم الذي يولد الآن؟
فربما لا يكون المستقبل ملكا ََ للأقوى، ولا للأغنى، وإنما للأكثر قدرة على التعلم، والأسرع في الفهم، والأجرأ في التطوير، والأعمق وعيا ََ بحقائق التاريخ وسنن الحضارات.