هنالك صنف من الناس لا يطيقون العيش بدون أن تسلط عليهم الأضواء ليل نهار لأنها تشعرهم بالتحقق الأنوى فيرتفع عندهم هرمون السعادة إلى مستوى قياسى، وهذه الخصلة البشرية لا تعدّ ذمًا فى حد ذاتها إذا ارتبطت بإنجازات حقيقية تخدم المجتمع، ولكن تعتبر نقيصة إذا كانت محض هلوسات شاذة غرضها إثارة الفتنة بالتشكيك فى الثوابت العقائدية الراسخة فى وجدان المؤمنين، وحالة الدكتور يوسف زيدان جد معقدة وعصية على التبرير لاسيما فى الفترة الأخيرة كونه أكثر مثقف عربى إثارة للجدل بسبب آرائه الجريئة والصادمة للنخبة والعوام على حد سواء، مما يجعلها مادة خصبة للحوارات الساخنة التى يظهر فيها شخصية كاريزمية من حيث لغة الجسد وإيماءات العين وتون الصوت ليتقمص دور شيخ عرب صعيدى متأثرًا بنشأته السوهاجية، بالاضافة لحضوره كباحث بارز فى مجال المخطوطات وأديب مرموق له أعماله متميزة على رأس قائمة الأكثر مبيعا، فعندما يتحدث يدرك ماذا يقول ولمن يقول وأين يقول، فهو ينتقى خصومه ومعاركه بعناية وهم بالمناسبة ليسوا أفرادا بل أعراق ومذاهب وأيديولوجيات سياسية مدعيًا انتهاجه الأسلوب الديكارتى التشكيكى لكنه أسرف على نفسه فسقط فى مستنقع تسييس المراجع التاريخية، وهو لا ينكر أن هدف مشروعه الأساسى هو تفكيك الوعى الجمعى وإعادة تشكيله من جديد من خلال نزع القداسة عن الرموز والأماكن الدينية، مستخدمًا أسلوبا يمزج فيه بين المعلومات الانتقائية والتهكم والسخرية التى تصل فى بعض الأحيان للتطاول والتشويه، فقد وصف صلاح الدين الأيوبى بأنه من أحقر شخصيات التاريخ وأهان الجنس العربى «عندما ظهر الإسلام كان يُنظر لسكان الجزيرة العربية بأنهم سرّاق إبل عمر المنطقة دى ما كان فيها حضارة»، وتمادى حتى أنكر وجود المسجد الأقصى من أصله. فقال: يعنى إيه القدس؟ ده لعبة سياسية «لعبدالملك بن مروان».
وفيما يتعلق بمحاولة أبرهة هدم الكعبة قال إنها اعتقاد شعبى ساذج وشائع وأن القرآن ليس كتاب تاريخ بالرغم من أن السورة نزلت فى بواكير الدعوة وكان صناديد قريش شهود عيان لها ولم يشككوا فى صدقيتها لتصبح بمثابة وثيقة تاريخية، ورفض ما جاء فى سيرة ابن هشام وتاريخ الطبرى وكتاب التيجان فى ملوك حمير للحبر اليهودى وهب بن منب، ووصفه بأنه كتاب تاريخ عبيط وخلطبيطة، وأكد أن أبرهة كان قديسًا مبجلًا فى الكنيسة الحبشية، وتساءل: لماذا يذهب إلى مكة والكعبة الرئيسية فى الطائف، واعتمد فقط على يسميه «التاريخ بجد» وهو سفر المكابيين، فحين أن التوراة الحالية ليست هى نفس التوراة التى أنزلها الله على كليمه فى الوادى المقدس طوى فقد انتهت (شريعة موسى الأصلية) عمليًا بالضياع والتلف خلال فترة السبى البابلى وتدمير الهيكل على يد نبوخذ نصر عام 586 قبل الميلاد. والتوراة الحالية هى عبارة عن نتاج عمل بشرى شفهى حيث أعيد صياغتها فى بابل على يد عزرا الكاتب الذى تأثر تأثرًا شديدًا بالديانة الكنعانية، فعلى سبيل المثال وليس الحصر كان «يهوه» أحد آلهة الجنوب مديان / دوم وتم رفعه ليكون الإله الأعلى، وفى هذا السياق أجرى عالم الآثار المرموق إسرائيل فنكلشتاين أبحاثا ميدانية كانت بمثابة زلزال علمى وتاريخى أثبتت أن العديد من النصوص التوراتية مثل قصة الخليل إبراهيم وخروج اليهود من مصر ومملكة داود وسليمان الكبرى لا تجد أى سند أو دليل أثرى وخلص إلى أن التوراة الحالية ليست سردا موضوعيا دقيقا بل صياغة تلفيقية وتجميع لأساطير وحكايات شعبية لأغراض سياسية من أجل توحيد الجبهة الداخلية لمملكة يهوذا فى عهد الملك يوشيا فى القرن السابع قبل الميلاد.
كان من الممكن وضع شطحات زيدان فى خانة حرية الرأى والتعبير لولا أنها تصب بشكل متعمد فى خدمة السردية الصهيونية، فهو يصف الدولة المغتصبة للأراضى العربية بالعدو العاقل ولا يمانع فى زيارتها والتطبيع الكامل معها، لذلك تحتفى به المؤسسات الرسمية والإعلامية، فقامت السفارة الإسرائيلية بالقاهرة بنشر بيان رسمى تشكر فيه زيدان عبر صفحتها الرسمية معبرة عن سعادتها بكلامه الذى وصفته بأنه «رسالة مهمة».
أعتقد أن «زيدان» لن يتوقف عن زعزعة ثقة الناس بتراثهم الدينى لأنه ببساطة يمثل تيارًا استشراقيًا موجها لأهداف سياسية خبيثة أخطرها هو قبول المواطن العربى بالتعايش السلمى مع مشروع إسرائيل الكبرى الذى بشّر به مجرم الحروب بنيامين نتنياهو.
يحلو لـ«زيدان» وصف نفسه بالمتصوف فإذا كان كذلك فليعلم أن سمة العارفين الصمت لأن الغوايات الشيطانية لها صنوف كثيرة. أبشعها الغرور الذى أخرج إبليس من رحمة الله، وما زلنا نحسن بزيدان الظن ولا يزال للمرء متسع فى مراجعة أفكاره فالعصمة لله وحده.. هدانا وهداه الله إلى سواء السبيل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض