رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أخيرًا.. وزير يتحدث عن الصناعة كما يتحدث المُصنعون والمنتجون، ما صدر عن المهندس خالد هاشم وزير الصناعة من تصريحات خلال الأيام الماضية إعلان مواجهة على كل ما عطل الصناعة المصرية لعقود، حرب على تسقيع الأراضى الصناعية، وعلى الاتجار بأصول الدولة، وعلى ثقافة الاحتفاظ بالمزايا دون إنتاج. وفى المقابل، إعلان انحياز كامل للمستثمر الصناعى الجاد، وللاقتصاد الذى يبحث عن كل دولار يأتى من التصدير لا من الاقتراض.

فى كل مرة تدخل فيها مصر مرحلة إصلاح اقتصادى حقيقى، تعود الصناعة لتفرض نفسها باعتبارها السؤال الأكثر أهمية: هل نريد اقتصادًا يقوم على الاستهلاك والخدمات فقط، أم اقتصادًا ينتج ويصدر ويوفر فرص العمل ويخلق قيمة مضافة؟ والإجابة لم تعد تحتمل التردد، لأن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التى استطاعت تحقيق التنمية المستدامة لم تصل إليها عبر المضاربات العقارية أو التوسع فى الاستهلاك، وإنما عبر قاعدة صناعية قوية قادرة على المنافسة فى الأسواق العالمية. ولعل ما يلفت الانتباه فى الطرح الذى يتبناه المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أنه وضع يده على أصل الداء، معالجة جذور الأزمة وليس أعراضها. فالصناعة المصرية لا تعانى من نقص الأراضى أو نقص القوانين بقدر ما عانت لعقود من سوء تخصيص الموارد، وتعقد الإجراءات، وغياب التمويل المتخصص، وضعف سلاسل القيمة المحلية، وتحول جزء من الأراضى الصناعية إلى أداة للمضاربة بدلاً من أن تكون وسيلة للإنتاج.

لذلك، قرار سحب الأراضى الصناعية غير المستغلة هو إعادة تصحيح لفلسفة إدارة الأصول العامة. فالأرض الصناعية ليست سلعة عقارية، وإنما أصل إنتاجى يجب أن يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا للدولة. وكل متر صناعى يظل معطلًا يعنى مصنعًا لم يُبن، ووظائف لم تُخلق، وصادرات لم تتحقق، وعملة أجنبية لم تدخل الاقتصاد.

ولعل أهمية هذا التوجه تتضاعف إذا ما نظرنا إلى الواقع الصناعى المصرى بالأرقام. فالصناعة التحويلية أصبحت تمثل نحو 16% من الناتج المحلى الإجمالى، وتوفر ما يقرب من 14% من إجمالى فرص العمل بما يزيد على أربعة ملايين فرصة عمل، كما تسهم بأكثر من 85% من إجمالى الصادرات غير البترولية، وهو ما يجعلها القطاع الأكثر قدرة على معالجة الاختلالات الهيكلية فى الاقتصاد المصرى وتعزيز موارد النقد الأجنبى. 

لكن نجاح هذه الرؤية لن يتحقق بقرارات وزارة الصناعة وحدها، لأن القضية أكبر بكثير من وزارة، وقرارات وزير، نحن أمام مشروع دولة، يتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات التشريعية والإدارية والتمويلية والتعليمية والضريبية واللوجستية، قبل أن يكون مشروعًا لتطوير المصانع. والتحدى الحقيقى يكمن فى كسر إرث ثقيل من البيروقراطية تراكم على مدى عقود، حتى أصبحت الإجراءات فى كثير من الأحيان أكثر تعقيدًا من عملية الإنتاج نفسها. 

والأهم من كل ذلك هو إعادة ضبط بوصلة الدولة بأكملها نحو الإنتاج والتصنيع. فالمطلوب ليس تغيير سياسات فحسب، بل تغيير المدركات والثقافة العامة. القائمة على تقديس الوظيفة وإن «فاتك الميرى أتمرغ فى ترابه»، وهذه ليست مهمة وزير الصناعة وحده، بل مسؤولية الدولة بكل مؤسساتها، بدءًا من التعليم والإعلام، مرورًا بالسياسات المالية والمصرفية، وانتهاءً بالإدارة المحلية وأجهزة التراخيص. كما أن بناء قاعدة صناعية قوية يقتضى حمائية ذكية للصناعة الوطنية، فلا توجد دولة صناعية كبرى وصلت إلى مكانتها دون أسوار اقتصادية وقانونية تحمى صناعاتها من المنافسة غير العادلة، حتى تصبح قادرة على المنافسة فى الأسواق العالمية. حديث جيد ومبشر لوزير الصناعة، بل جيد جداً لكن العبرة بالتنفيذ يا معالى الوزير.