رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

اعتدنا أن ننظر إلى الفوضى باعتبارها نهايةً لنظام قائم… لكن ماذا لو كانت، في بعض الأحيان، بدايةً لنظام جديد لم تتضح ملامحه بعد؟

نعيش زمنًا تتزاحم فيه الحروب، وتتغير فيه موازين القوى، وتتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة لم يعرفها التاريخ من قبل، وتتبدل فيه مفاهيم الاقتصاد والمجتمع، حتى أصبح كثيرون يشعرون بأن العالم يسير نحو مزيد من الفوضى.

لكن… ماذا لو كانت هذه القراءة ناقصة؟

ماذا لو أن ما يبدو لنا فوضى ليس سوى مرحلة انتقالية تعيد تشكيل العالم وفق قواعد جديدة لم تكتمل ملامحها بعد؟ وهل يمكن أن تكون الإنسانية قد دخلت بالفعل مرحلة من التحول التاريخي، لا ندرك حقيقتها كاملة إلا بعد أن تصبح جزءًا من الماضي؟

التاريخ يخبرنا أن الأمم لا تنتقل من عصر إلى آخر في هدوء دائم. فالتحولات الكبرى غالبًا ما سبقتها فترات من الاضطراب، واختلال موازين القوى، وصدام المصالح، وتسارع الاكتشافات، وظهور أفكار جديدة تتحدى ما كان الناس يعدّونه حقائق ثابتة. وخلال تلك المراحل، كان كثيرون يعتقدون أنهم يعيشون نهاية العالم الذي يعرفونه، بينما كانوا في الحقيقة يشهدون ولادة عالم مختلف.

وليس هذا استنتاجًا نظريًا، بل تؤيده شواهد التاريخ. فسقوط الإمبراطوريات الكبرى لم يكن نهاية التاريخ، بل بداية لخرائط سياسية وحضارية جديدة. وعصر النهضة لم يولد من فراغ، بل سبقته قرون من الاضطراب الفكري والديني والسياسي.

ولعل الثورة الصناعية تقدم أحد أوضح الأمثلة على ذلك. فقد ظن كثيرون آنذاك أنها مجرد طفرة في وسائل الإنتاج، لكنها أعادت رسم خريطة العالم بأكملها. فقد تغير الاقتصاد، وظهرت قوى دولية جديدة، وتبدلت طبيعة العمل، وتغيرت المدن، وأنماط التعليم، وأساليب الحروب، بل وحتى شكل الحياة اليومية. لم تكن الثورة الصناعية مجرد اختراع للآلة، بل كانت انتقالًا حضاريًا غيّر طريقة تفكير الإنسان قبل أن يغيّر أدواته.

ثم جاءت الحربان العالميتان، بكل ما حملتاه من دمار، لتؤسسا لنظام دولي جديد، ومؤسسات وتحالفات وقواعد سياسية واقتصادية لا يزال العالم يعيش في ظل آثارها حتى اليوم.

فإذا كان التاريخ قد عرف مثل هذه التحولات من قبل، فهل يمكن أن يكون القرن الحادي والعشرون يشهد انتقالًا من النوع نفسه، ولكن بأدوات مختلفة؟

فخلال سنوات قليلة فقط، شهد العالم حروبًا وصراعات إقليمية متشابكة، وتوترات بين القوى الكبرى، وسباقًا على الطاقة والمعادن النادرة، وثورة هائلة في الذكاء الاصطناعي، واضطرابات اقتصادية، وإعادة رسم لخرائط التحالفات، وعودة الحديث عن الأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد، والسيادة التكنولوجية، وتغيرًا في مفاهيم العمل والإنتاج والتواصل. وقد تبدو هذه الملفات منفصلة، لكن من المشروع أن نتساءل: هل هي بالفعل أحداث مستقلة، أم أنها تعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي؟

ليس من الضروري أن تكون هذه التحولات نتيجة خطة واحدة، ولا أن تقف وراءها جهة واحدة. فالتاريخ كثيرًا ما تصنعه تفاعلات المصالح، وتنافس الدول، والتقدم العلمي، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. لكن النتيجة النهائية قد تكون واحدة: انتهاء مرحلة تاريخية، وبداية مرحلة أخرى تختلف عنها في قواعدها وأدواتها وموازينها.

ولعل أكثر ما يميز كل مرحلة انتقالية أنها لا تعيد تشكيل الدول وحدها، بل تعيد تشكيل الإنسان نفسه. فهي تغيّر طريقة تفكيره، وأولوياته، وأسلوب حياته، ومفهومه للعلم والعمل والنجاح، بل وحتى نظرته إلى الزمن والمعرفة والقوة. وما يبدو لجيلٍ أمرًا غير مألوف، يصبح لدى الجيل التالي جزءًا طبيعيًا من حياته. وهكذا لا يولد العالم الجديد عندما تتغير الخرائط فقط، بل عندما تتغير العقول أيضًا.

وربما يكون أخطر ما في المراحل الانتقالية أن أدوات الفهم التي نجحت في تفسير الماضي لا تعود كافية لتفسير الحاضر. فكل عصر يفرض منطقه الخاص، ويعيد تعريف مفاهيم القوة والنفوذ والاقتصاد والمعرفة. لذلك، فإن الاكتفاء بتحليل كل أزمة بمعزل عن غيرها قد يحجب عنا الصورة الأكبر.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: لماذا يعيش العالم كل هذه الاضطرابات؟ بل: هل وصل النظام الدولي القائم إلى مرحلة لم يعد قادرًا فيها على استيعاب التحولات المتسارعة، فأصبح العالم يعيد تشكيل نفسه، كما حدث في محطات تاريخية كبرى من قبل؟

لا أدّعي امتلاك الإجابة، ولا أزعم أن أحدًا يستطيع رسم ملامح المستقبل بدقة. لكن التاريخ يعلمنا أن الذين يعيشون لحظات التحول الكبرى نادرًا ما يدركون حقيقتها وهم داخلها. فهم لا يرون سوى ضجيج الأحداث، بينما تتضح الصورة كاملة لمن يأتي بعدهم.

ربما لا نملك اليوم الإجابة الكاملة. لكن إذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الذين يعيشون لحظات التحول الكبرى نادرًا ما يدركون أنهم يعبرون من عصر إلى عصر. فهل سيكتشف أحفادنا أن ما نراه اليوم كان مجرد فوضى… أم أنه كان المخاض الذي سبق ميلاد عالم جديد؟