رعب الثانوية العامة
لماذا عجزت الأنظمة عن إسقاط لقب «بعبع الإمتحانات»؟
أولياء أمور: تعبنا من «التجريب فى اولادنا» وكافة أنظمة الثانوية العامة فشلت فى إزالة التوتر من البيوت.
خبراء: كثافة المناهج وأسلوب التقييم يسبب ضغط شديد على الطلاب.. والثانوية ليست نهاية الطريق
«نيولوك» البكالوريا هل ينجح فى منح فرص عديدة وتنوع المسارات؟
منذ أكثر من قرن لم تكن «الثانوية العامة» مجرد مرحلة دراسية عابرة، بل تحولت إلى محطة فاصلة فى حياة ملايين الأسر المصرية، مرحلة تحمل معها أحلام الطلاب وتطلعات العائلات، حتى أصبحت تُعرف شعبيًا بأنها «بعبع» التعليم، لكن هذا الخوف لم يكن موجودًا منذ البداية، فالثانوية العامة مرت برحلة طويلة من التغييرات، بدأت باسم مختلف هو «البكالوريا»، وتبدلت سنواتها ونظمها مع تغير الحكومات ورؤيتها للتعليم.
ومر تاريخ الثانوية العامة فى مصر بمراحل طويلة من التغيير، والبداية كانت فى عهد محمد على باشا، حيث ظهرت المدارس الحديثة ونُظمت الشهادات والامتحانات، وكان من أشهر أسماء الشهادة فى ذلك الوقت البكالوريا، وهى شهادة كانت تمثل نهاية مرحلة التعليم الثانوى وتؤهل الطالب للالتحاق بالتعليم العالى.

فى بداياتها كانت البكالوريا تختلف عن النظام الحالى، وكانت المرحلة الثانوية أقصر، وكان الطالب يصل إلى امتحان الشهادة بعد فترة محددة، ومع تطور المجتمع وزيادة أعداد الطلاب واحتياج الدولة إلى تنظيم التعليم، بدأت الحكومات تعدل شكل المرحلة الثانوية وتزيد سنوات الدراسة.
بعد ذلك أصبح نظام الثانوية يمر بمراحل مختلفة، فكانت هناك فترة أصبحت فيها الثانوية سنة واحدة، ثم تطورت إلى سنتين، حتى استقر النظام المعروف فى مصر على الثانوية العامة لمدة ثلاث سنوات، وهى الصفوف الأول والثانى والثالث الثانوى، وأصبح امتحان الصف الثالث هو المرحلة الأهم التى تحدد دخول الطالب إلى الجامعة.
ومع مرور الوقت أصبحت الثانوية العامة تحمل ضغطًا كبيرًا على الطلاب والأسر بسبب ارتباطها بالمستقبل الجامعى والمجموع والالتحاق بالكليات، ومع انتشار الدروس الخصوصية والمنافسة الشديدة ظهر التعبير الشعبى الشهير «بعبع الثانوية العامة»، وهو وصف لحالة الخوف والقلق التى أصبحت مرتبطة بهذه المرحلة.
حاولت الحكومات المتعاقبة تطوير الثانوية العامة وتقليل الضغط من خلال تغيير أنظمة الامتحانات وإدخال التكنولوجيا وتعديل طرق التقييم، بهدف الابتعاد عن فكرة أن مستقبل الطالب يتحدد فى امتحان واحد فقط.
وفى السنوات الأخيرة ظهرت من جديد فكرة البكالوريا المصرية ولكن بصورة حديثة تختلف عن البكالوريا القديمة، حيث تهدف إلى تغيير شكل الثانوية العامة وإعطاء الطلاب مسارات وفرصًا مختلفة فى التقييم، لتكون محاولة لإعادة تصميم المرحلة بعد أكثر من قرن من بداية نظام البكالوريا القديم.
يرى عدد من أولياء الأمور أن كلمة «بعبع» نفسها ساهمت فى زيادة رهبة المرحلة، لأنها ترسخ فى ذهن الطالب والأسرة أن الثانوية العامة اختبار صعب ومصيرى، وأن أى خطأ قد يحدد مستقبل الابن بالكامل.
تقول أميرة محمد، والدة طالب بالثانوية العامة: «من بداية السنة ونحن نعيش حالة توتر، ليس بسبب الامتحانات فقط، ولكن بسبب الكلام المحيط بنا طوال الوقت، كل شخص يقول إن هذه السنة تحدد المستقبل، وهذا يجعل الابن يشعر أن حياته كلها متوقفة على النتيجة».
وتضيف أن أصعب ما تواجهه كأم هو محاولة السيطرة على خوفها حتى لا ينتقل إلى ابنها، موضحة: «أحيانًا يكون القلق داخلنا أكبر من الأبناء، لكننا نحاول ألا نظهره حتى لا نزيد الضغط عليهم، لأن الطالب فى هذه المرحلة يحتاج إلى الدعم وليس الخوف».
أما محمد عبدالله، والد طالبة بالثانوية العامة، فيؤكد أن الأسر تعيش فترة طويلة من الترقب منذ بداية العام وحتى ظهور النتيجة، قائلًا: «المشكلة ليست فى المذاكرة فقط، لكن فى الضغط النفسى، فالأب والأم يشعران بمسئولية كبيرة، ويخافان من أن يؤثر أى تقصير على مستقبل ابنهما».
ويشير إلى أنه يحاول تغيير طريقة تعامله مع ابنته خلال هذه الفترة، قائلًا: «بدلًا من أن أسألها كل يوم ذاكرتى كام ساعة؟ بدأت أسألها هل أنتِ بخير؟ هل تحتاجين مساعدة؟ لأن الحالة النفسية تؤثر جدًا على التحصيل».
وتوضح سارة على، والدة طالب آخر، أن المقارنات بين الطلاب تزيد من حالة الرعب، قائلة: «أكثر شيء يضغط على الأبناء هو المقارنة، عندما يسمع الطالب أن زميله يذاكر أكثر أو أن ابن قريب له حصل على درجات أعلى، يشعر بأنه فى سباق مستمر».
وأضافت أن دور الأسرة يجب أن يكون توفير بيئة هادئة، موضحة: «نحن كأهل يجب أن نتذكر أن أبناءنا ليسوا أرقامًا أو درجات فقط، وأن النتيجة مهمة لكنها ليست نهاية الحياة».
ويؤكد أولياء الأمور أن الخوف من الثانوية العامة لا يأتى من الامتحانات فقط، بل من الصورة الكبيرة التى رسمها المجتمع حولها، حيث أصبحت مرتبطة بالجامعة والعمل والمستقبل، وهو ما يجعل الطالب يشعر بحمل أكبر من قدرته.
ويرى الأهالى أن التخلص من «بعبع الثانوية العامة» يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير فى المرحلة، سواء داخل الأسرة أو المدرسة، بحيث يتم التعامل معها باعتبارها خطوة مهمة وليست معركة تحدد مصير الإنسان بالكامل.
شيماء عراقى، استشارى العلاقات الأسرية" width="335" height="267">لماذا ارتبطت الثانوية العامة فى أذهان أجيال متعاقبة بكلمة «البعبع»؟
تساؤلات عديدة حول سبب سريان هذا المصطلح حاضرًا رغم تغير طرق التعليم وتطور أساليب الدراسة؟ الإجابة لا ترتبط بالامتحان فقط، لكنها نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية جعلت هذه المرحلة تحمل أكبر من حجمها الطبيعى.
تقول شيماء عراقى، استشارى العلاقات الأسرية، إن الثانوية العامة تحولت من مرحلة دراسية إلى «اختبار مصيري» فى وجدان الأسرة المصرية، فأصبح الطالب يشعر أن مستقبله بالكامل يتوقف على مجموعة امتحانات، وهو ما يخلق ضغطًا نفسيًا كبيرًا منذ بداية العام الدراسى.
وتوضح أن الأسرة تلعب دورًا أساسيًا فى صناعة هذا الخوف، فبعض الأسر تنقل قلقها إلى الأبناء من خلال المقارنات المستمرة، مثل مقارنة الطالب بأقاربه أو زملائه، أو ربط النجاح بدرجات فقط، ما يجعل الطالب يشعر بأنه مطالب بإثبات قيمته من خلال المجموع وليس من خلال قدراته وشخصيته.
وتضيف أن الخوف لا يأتى من الأسرة فقط، فـ المدرسة وطريقة التعامل مع المرحلة لهما تأثير كبير، فعندما يتم تقديم الثانوية العامة باعتبارها «معركة» وليست مرحلة تعليمية، يزداد شعور الطالب بالتوتر والرهبة، خاصة مع التركيز على الحفظ والنتيجة أكثر من الفهم وتنمية المهارات.
أما عن المناهج الدراسية، فتشير شيماء عراقى إلى أن كثافة المحتوى وطريقة التقييم قد تجعل الطالب يشعر بضغط مستمر، خصوصًا إذا لم يمتلك مهارات تنظيم الوقت أو طرق المذاكرة المناسبة، فيتحول الأمر من تحدٍ طبيعى إلى حالة من القلق المزمن.
وتلفت إلى أن السبب الأكبر وراء استمرار لقب «البعبع» هو الخوف من المستقبل، حيث يرى الطالب وذويه أن نتيجة الثانوية العامة ستحدد الجامعة، ثم الوظيفة، ثم شكل الحياة بالكامل، رغم أن الواقع يؤكد أن النجاح لا يرتبط بمسار واحد فقط، وأن هناك طرقًا متعددة لتحقيق النجاح والتميز.
وتؤكد استشارى العلاقات الأسرية أن التعامل الصحى مع الثانوية العامة يبدأ بتغيير الثقافة المحيطة بها، وعدم تحميل الطالب مسئولية أحلام الأسرة أو اعتبار الدرجة مقياسًا وحيدًا للنجاح.
وتنصح الأسر بدعم الأبناء نفسيًا، وخلق بيئة تساعد على التركيز بدلًا من زيادة التوتر، مع الاهتمام بالنوم والصحة النفسية وتنظيم الوقت، لأن الطالب الذى يشعر بالأمان يكون أكثر قدرة على الإنجاز.
وتختتم شيماء عراقى حديثها بأن «الثانوية العامة مرحلة مهمة لكنها ليست نهاية الطريق»، وأن استمرار وصفها بـ«البعبع» يعود إلى الطريقة التى ننظر بها إليها، فكلما تحولت من مصدر خوف إلى تجربة تعليمية يمكن التعامل معها، تراجع تأثيرها النفسى على الأجيال القادمة.
رغم مرور سنوات طويلة وتغير أنظمة التعليم والوزراء والحكومات، ما زالت الثانوية العامة تحتفظ بلقب «البعبع» فى وجدان الطلاب والأسر، لتظل فترة الامتحانات وحتى إعلان النتيجة واحدة من أكثر الفترات التى تحمل ضغوطًا نفسية واجتماعية كبيرة. فهل المشكلة فى المناهج؟ أم فى طريقة التقييم؟ أم فى الثقافة المجتمعية التى جعلت من الثانوية العامة بوابة وحيدة للمستقبل؟.
بثينة عبدالرؤوف، الخبيرة التربوية" width="800" height="450">هل العيب فى العملية التعليمية نفسها؟!
تقول بثينة عبدالرؤوف، الخبيرة التربوية، إن استمرار أزمة الثانوية العامة لا يرتبط بنظام تعليمى واحد أو وزير بعينه، وإنما هو نتيجة تراكمات طويلة جعلت هذه المرحلة تتحول من مرحلة تعليمية إلى «حكم نهائي» على مستقبل الطالب، وهو ما أدى إلى تضخم الخوف منها عبر الأجيال.
وتوضح أن أحد أسباب استمرار وصف الثانوية العامة بأنها «بعبع» هو ارتباطها فى ذهن الأسرة المصرية بمصير الطالب بالكامل، حيث أصبح المجموع هو العامل الأساسى الذى يحدد نظرة المجتمع للنجاح، رغم أن القدرات والمهارات والاختيارات المتعددة أصبحت عناصر مهمة فى سوق العمل.
وتشير إلى أن المناهج الدراسية وطريقة التقييم لها دور فى زيادة الضغط، خاصة عندما يعتمد الطالب على الحفظ والاستعداد للامتحان باعتباره الهدف الأساسى من العملية التعليمية، بدلًا من بناء مهارات التفكير والتحليل والابتكار. فكلما ارتبط التعليم بالامتحان فقط، زادت رهبة المرحلة.
وتضيف أن المشكلة لا تكمن فى الامتحانات نفسها، ولكن فى حجم التوقعات التى تحيط بها، فالطالب يدخل المرحلة وهو يسمع رسائل مستمرة بأن هذه السنة ستحدد حياته، وأن أى تعثر يعنى ضياع المستقبل، مما يخلق حالة من القلق الشديد قد تؤثر على التركيز والأداء النفسى.
وحول حالات الانتحار أو الأزمات النفسية التى تظهر مع موسم الثانوية العامة، تؤكد بثينة عبدالرؤوف أن الأمر يحتاج إلى التعامل معه باعتباره قضية مجتمعية، وليس مجرد مشكلة امتحانات، موضحة أن الضغط الزائد، وغياب الدعم النفسى، وربط قيمة الإنسان بالدرجات فقط، عوامل تزيد من خطورة الأزمة.
وتؤكد أن الأسرة تتحمل جزءًا كبيرًا من المسئولية، فبدلًا من أن تكون مصدر أمان ودعم، قد تتحول أحيانًا إلى مصدر ضغط بسبب الخوف الزائد أو المقارنة بين الأبناء، مطالبة بضرورة تغيير طريقة الحديث مع الطلاب خلال هذه الفترة، والتركيز على المجهود والتطور وليس النتيجة فقط.
وترى الخبيرة التربوية أن تغير الأنظمة التعليمية وحده لا يكفى للقضاء على «بعبع الثانوية العامة»، لأن التغيير الحقيقى يحتاج إلى إعادة بناء فلسفة التعليم نفسها، بحيث لا تكون شهادة واحدة أو امتحان واحد هو المحدد الوحيد لمسار الطالب.
وتضيف أن الحل يتطلب تطوير منظومة التقييم، وتوفير مسارات تعليمية متعددة، وتعزيز فكرة أن النجاح له أشكال مختلفة، بالإضافة إلى وجود دعم نفسى حقيقى داخل المدارس لمساعدة الطلاب على التعامل مع الضغط.
وتختتم بثينة عبدالرؤوف حديثها بالتأكيد على أن الثانوية العامة ستظل مصدر قلق طالما ظل المجتمع ينظر إليها باعتبارها «معركة حياة أو موت»، موضحة أن المطلوب ليس فقط تغيير الامتحان أو النظام، بل تغيير الثقافة المحيطة بالمرحلة، حتى تتحول من مصدر خوف ورهبة إلى محطة تعليمية طبيعية فى حياة الطالب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض