رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

من دهاليز كامب ديفيد إلى أروقة "بيت العرب"..

فهمي وأبو الغيط.. شاهدان على خمسين عاماً من التحولات الجيوستراتيجية

بوابة الوفد الإلكترونية

خلف الستائر المخملية للغرف المغلقة، وبعيداً عن الأضواء الخاطفة لعدسات المصورين، تتشكل ملامح الدبلوماسي من تفاصيل إنسانية شديدة البساطة والعمق معاً. إنها حكاية تبدأ من ملمس الأوراق الأولى، ورائحة الحبر في دفاتر الطفولة، ونبرة الآباء وهم يروون للأبناء كيف تُدار الكواليس في لحظات الحروب والمفاوضات العاصفة.

بين نبيل فهمي وأحمد أبو الغيط خيط ممدود من خمسة عقود في خدمة الدولة المصرية، لكن خلف الوشاح الرسمي لكل منهما رحلة إنسانية مغايرة؛ أحدهما كبر وفي فمه ملعقة من "الدبلوماسية النخبوية"، يتنفس الشؤون الدولية في مغتربه نيويورك كجزء من تفاصيل بيته اليومية، والآخر شق طريقه عبر دروب العصامية من قلب الأحياء الراقية الهادئة بالقاهرية، متسلحاً بانضباط صارم ومفكرة صغيرة لا تفارق جيبه، يسجل فيها ملامح عالم يتغير. هذا التنوع الإنساني في جذور النشأة هو الذي صاغ في النهاية، فلسفة كل منهما في اتخاذ القرار وتوجيه بوصلة الدبلوماسية.

 مدرسة "الخلاف المحترم"

ولد نبيل فهمي في مدينة نيويورك عام 1951، حيث كان والده الدبلوماسي المخضرم إسماعيل فهمي يعمل عضواً في بعثة مصر الدائمة لدى الأمم المتحدة. نشأ فهمي الابن في بيئة كانت فيها الشؤون الدولية جزءاً لا يتجزأ من النقاش الأسري والوعي اليومي. هذا التكوين أورثه شغفاً بالعمل الدولي، حيث عاش "فهمي" منذ صغره تحت التأثير الوجداني والمهني لوالده الذي صعد ليصبح وزيراً للخارجية ونائباً لرئيس الوزراء في حقبة السادات.

 تأثر نبيل فهمي بعمق بالنموذج الذي قدمه والده، ولا سيما موقفه التاريخي بالاستقالة عام 1977 احتجاجاً على زيارة الرئيس السادات إلى القدس، حماية للأمن القومي ومكانة مصر القيادية. ويوثق نبيل فهمي في مذكراته "في قلب الأحداث" كيف غرس والده فيه مفهوم "الخلاف السياسي المحترم"؛ إذ كانت العلاقة بين والده والسادات مبنية على احترام متبادل وثيق حتى في أشد لحظات التباين.

ويروي واقعة خلال مفاوضات ما بعد حرب أكتوبر حين غادر والده الاجتماع اعتراضاً على اقتراح أمريكي، ليقترح هنري كيسنجر على السادات التدخل لإقناع الوزير، فرد السادات بوقار: "ولا حاجة، اللي هو قال عليه خلاص". وفي حادثة أخرى، عندما أحضر كيسنجر صيغة تنهي النزاع قبلها السادات مبدئياً، ولكن سحب إسماعيل فهمي الورقة وخرج إلى الحديقة معترضاً، مما أثار قلق كيسنجر، فقال له السادات: "إذا كان خرج مش هيرجع"، وحل السادات الأزمة بحذف الفقرة الإسرائيلية المثيرة للجدل.

وتؤكد الوقائع رغبة نبيل فهمي  في النأي بنفسه عن الارتباط المباشر بدوائر السلطة التنفيذية؛ فبعد أن عمل لفترة قصيرة في مكتب الرئاسة إثر اتصال وتكليف من أشرف مروان( سكرتير الرئيس للاتصالات الخارجية) خلال فترة تجنيده، فضل الانتقال إلى مسار مهني ومؤسسي مستقل، ليلتحق بوزارة الخارجية عام 1976 عبر اجتياز اختباراتها ليدخلها بجهده المستقل وبمسار مهني تقليدي بعيداً عن "الواسطة" أو النفوذ السياسي لوالده.

 العصامي  وحفظ وقائع "الغرف المغلقة"

على الجانب الآخر، صعد أحمد أبو الغيط من رحم القاهرة ؛ إذ ولد في حي مصر الجديدة  عام 1942. تميزت طفولته بالتنشئة المدنية الصارمة، حيث تلقى تعليمه الأساسي في بيئة نخبوية من نوع آخر عبر "المدرسة الإنجليزية بمصر" (The English School)، وهي المحطة التي صقلت لغته وأدواته باكراً، قبل أن يتجه لدراسة المال والأعمال ويحصل على بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس عام 1964.

دخل أبو الغيط وزارة الخارجية عام 1965 كملحق دبلوماسي عصامي، وبدأ رحلة تدرج شاقة وممتدة، تكللت بالعمل سكرتيراً لمستشار الأمن القومي التاريخي حافظ إسماعيل خلال حرب أكتوبر 1973. هذه المحطات الكبرى صقلت وعيه كـ"رجل دولة واقعي" يقدس التراتبية، والانضباط المؤسسي، والالتزام الحرفي بالتعليمات السيادية.

منذ هزيمة 1967، رافق أبو الغيط هاجس التوثيق الدقيق؛ حيث اعتاد تسجيل كواليس الغرف المغلقة وتفاصيل القرارات السيادية في مفكراته الخاصة التي لم تكن تفارقه. وتجلت هذه النزعة التوثيقية خلال عمله في مكتب مستشار الأمن القومي، حافظ إسماعيل، رفقة أحمد ماهر وصديق عمره عمرو موسى؛ حيث تأثر بالبعد الأمني والسياسي الصارم الذي صهر مواقف مصر الخارجية قبيل حرب أكتوبر 1973.هذا المزيج بين الأمن والدبلوماسية رافقه طوال مسيرته، وتعمق بشكل بارز لاحقاً مع صعود نجم رئيس جهاز المخابرات العامة الراحل، اللواء عمر سليمان، كلاعب رئيسي في ملفات المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي؛ إذ تشابكت جهودهما الدبلوماسية والأمنية لإدارة أعقد ملفات الشرق الأوسط إبان تولي أبو الغيط حقيبة الخارجية

تباين المسارات والإنتاج المعرفي

حين نضع مسيرة الرجلين في ميزان التحليل، يظهر التباين البنيوي  بدءاً من عتبة التكوين الأكاديمي. فنبيل فهمي يحمل خلفية تجمع بين العلوم الدقيقة والإدارة، بحصوله على بكالوريوس الفيزياء والرياضيات وماجستير الإدارة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. هذا المزيج منعه من الانغلاق داخل قوالب البيروقراطية التقليدية، ليتشكل كخبير في الأمن الدولي ونزع السلاح في جنيف ونيويورك، قبل أن يتنقل سفيراً لمصر في اليابان بين عامي 1997 و1999، ثم سفيراً في العاصمة الأمريكية واشنطن في محطة ممتدة وحرجة استمرت من 1999 إلى 2008.

أما أحمد أبو الغيط، فقد انطلق من أرضية اقتصادية  بدراسته للتجارة وإدارة الأعمال، وهو ما انعكس على رؤيته الواقعية الصارمة لكلفة القرارات السياسية. وتدرج في المحطات الدبلوماسية عبر الصعود من القاع إلى القمة؛ فبدأ سكرتيراً ثالثاً في نيقوسيا، ثم مستشاراً سياسياً في موسكو عام 1979، وصولاً إلى تعيينه سفيراً فوق العادة لمصر في روما عام 1992، ومندوباً دائمًا لبلاده لدى الأمم المتحدة بنيويورك بين عامي 1999 و2004.

هذا التباين في التكوين قاد كليهما إلى تجارب وزاريّة ومسارات فكرية متمايزة؛ إذ أدار نبيل فهمي دفة الخارجية المصرية كوزير في حُقبة انتقالية استثنائية عقب يوليو 2013 (حكومتي الببلاوي ومحلب الأولى) حتى يونيو 2014، لينتقل بعدها إلى المسار الأكاديمي بوصفه العميد المؤسس لكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2009. وقد لخص رؤيته الدبلوماسية في كتاب الاستراتيجي البارز "في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير"، متنبياً نهج الواقعية الحذرة القائم على مأسسة العلاقات وتوسيع البدائل الجيوسياسية متعددة الأقطاب.

في المقابل، صعد أحمد أبو الغيط إلى سدة الوزارة في أواخر عهد الرئيس مبارك واستمر خلال حكومة الفريق أحمد شفيق الانتقالية (يوليو 2004 – مارس 2011)، ليتفرغ بعدها للكتابة والمحاضرة كمتحدث وموثق معتمد في شؤون العمل العربي. وقد صاغ شهادته عبر مؤلفين بارزين هما "شاهد على الحرب والسلام" و"شهادتي: السياسة الخارجية المصرية 2004–2011"، معبراً عن مدرسة الواقعية الصلبة التي تضع حماية المنظومة السيادية وبناء التوافق الإقليمي الحذر في مقدمة أولوياتها.

هادئ يلون البدائل وصدامي يحمي الحدود

واجه نبيل فهمي واحدة من أعقد فترات العلاقات المصرية الأمريكية عقب أحداث يوليو 2013، حيث اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما موقفاً متشدداً، وقامت بـ تجميد جزئي للمساعدات العسكرية السنوية لمصر (بما في ذلك تسليم طائرات F-16 ومروحيات الأباتشي).

رفض فهمي الرضوخ لضغوط واشنطن التي حاولت ربط المساعدات بإملاءات تخص مسار السياسة الداخلية المصرية. واعتبر فهمي أن واشنطن تسيء قراءة الواقع المصري، وتتعامل بفوقية لا تتناسب مع دولة بحجم مصر.

وجاء الرد الدبلوماسي (المناورة الجيوسياسية)، حيث لم يلجأ فهمي إلى الخطاب الإعلامي التصعيدي أو الصدام اللفظي؛ بل رد عملياً عبر "استراتيجية تنويع البدائل". قام بهندسة  زيارة تاريخية مشتركة لوزيري الخارجية والدفاع المصريين (نبيل فهمي والمشير عبد الفتاح السيسي) إلى موسكو في نوفمبر 2013 (صيغة 2+2) لفتح آفاق التعاون العسكري والتجاري مع روسيا.

أجبر هذا التحرك السريع واشنطن على إدراك أن مصر تمتلك بدائل دولية قوية، مما دفع إدارة أوباما لاحقاً إلى التراجع التدريجي عن تجميد المساعدات خشية خسارة نفوذها الاستراتيجي في القاهرة.

وعلى الجانب الآخر، كان  أحمد أبو الغيط أيضا اصطدام بعنف مع إستراتيجية "الفوضى الخلاقة" وأجندة "نشر الديمقراطية بالقوة" التي تبنتها إدارة الرئيس جورج بوش الابن، والتي قادتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس.

وتمثل مكمن الخلاف وعمقه في محاولة إدارة بوش التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية تحت لافتة "الإصلاح السياسي"، وهو ما رأت فيه مدرسة أبو الغيط تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة الوطنية وتفكيكاً لبنيتها السيادية لصالح صعود جماعات الإسلام السياسي.

وجاء الرد الدبلوماسي (الصدام الصلب)، حيث خاض أبو الغيط معارك دبلوماسية علنية حادة مع رايس. وفي واقعة شهيرة وثقها في كتابه "شهادتي"، ألغى أبو الغيط عشاءً رسمياً كان مقرراً مع رايس في نيويورك احتجاجاً على اللهجة الفوقية للتقرير الأمريكي حول حقوق الإنسان في مصر. وفي مؤتمر "منتدى المستقبل" بالبحرين عام 2005، دخل أبو الغيط في حوار  مباشرة مع رايس أدت إلى تعديل وثيقة المؤتمر لتنص على أن الإصلاح يجب أن ينبع من الداخل ولا يفرض من الخارج.

و نجحت الدبلوماسية المصرية حينها في فرملة الاندفاعة الأمريكية لفرض مشاريع "الشرق الأوسط الكبير"، وظل أبو الغيط متمسكاً بالخطوط الحمراء لسيادة الدولة حتى نهاية عهد بوش.

السلوك الخطابي  وإدارة الأزمات

يكشف رصد الأداء الإعلامي والاتصالي للرجلين عن تباين واضح في كيفية إدارة الأزمات والوقوف أمام الرأي العام.

يتحدث نبيل فهمي بنبرة هادئة ومنظمة للغاية، تعكس سمات المحلل الأكاديمي والفيزيائي الذي يزن الكلمات بدقة. يبتعد فهمي عن التصعيد اللفظي، ويفضل التشبيهات الاستراتيجية لتفسير العلاقات المعقدة؛ كتشبيهه الشهير للعلاقة المصرية الأمريكية بـ"الزواج الشرعي المستقر" الذي يستلزم الكثير من الجهد والقرارات الصعبة لحل المشكلات، بدلاً من العلاقات العابرة لليلة واحدة.

ومع هذا الهدوء، يمتلك فهمي صلابة مؤسسية في تقديم بدائل السياسة الخارجية؛ إذ عرف عنه طوال مسيرته التزامه بنصيحة والده بالاستقلال المهني وتقديم التقديرات الاستراتيجية الصريحة لصناع القرار دون مداهنة، وهو ما برز بوضوح إبان إدارته الشجاعة للدبلوماسية المصرية في مرحلة ما بعد يوليو 2013 الحَرِجة.

يتبنى أحمد أبو الغيط أسلوباً خطابياً مباشراً ويخلو من المواربة عند استشعار وجود تهديد يمس الأمن القومي أو الحدود السيادية للدولة. تظهر هذه السمة في مواقفه الشهيرة؛ مثل تصريحه الحاد عام 25 يناير 2008 بأن مصر "ستكسر قدم" من يحاول اقتحام حدودها الشرقية بالقوة إبان أزمة اجتياح معبر رفح.

وعلى الصعيد الدبلوماسي, تميز أبو الغيط بالقدرة على إحباط مخططات القوى الدولية؛ حيث روى تفاصيل تصديه لوزيري خارجية هولندا والدنمارك في عامي 2008 و2009 عندما حاولا فرض قوات دولية أوروبية في غزة دون تراضٍ فلسطيني، وحذرهما من أن الفلسطينيين سيطلقون النار عليهم على الحدود، مما أجبر الوزيرين على التراجع وتقديم الشكر له على صراحته الحاسمة.

وفي خطاباته كأمين عام للجامعة العربية، تميز بنبرة حازمة تجلت في وصفه الاعتداء الإسرائيلي على المدنيين والسيادة الفلسطينية واللبنانية بـ"الخسة والجبن والسقوط الأخلاقي"، وتحذيره في قمة المنامة من ارتكاب "نكبة جديدة" بحق الشعب الفلسطيني، فضلاً عن إدانته الشديدة للهجمات الإيرانية معتبراً إياها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ومؤكداً رفض الهيمنة على مضيق هرمز.

مدارس مختلفة ومسيرة مشتركة

تمثل مسيرتا نبيل فهمي وأحمد أبو الغيط وجهين لعملة واحدة صِيغت في مدرسة الدبلوماسية المصرية العريقة، حيث عكس كل منهما استجابة عبقرية لتحديات عصره من منظور تكوينه البنيوي وفلسفته السياسية.

فبينما جسد نبيل فهمي مدرسة "الواقعية الجيوسياسية الحذرة والمناورة الاستراتيجية"، مستفيداً من خلفيته العلمية والإدارية لتفكيك الأزمات المعقدة ومأسسة العلاقات الدولية عبر "تنويع البدائل" وتوسيع الشراكات متعددة الأقطاب؛ برز أحمد أبو الغيط كعنوان لمدرسة "الواقعية المؤسسية الصلبة والصدام الحاسم"، مستنداً إلى تكوينه الاقتصادي والحسابي الصارم وتدرجه المهني الكلاسيكي، ليقف سداً منيعاً في مواجهة الإملاءات الخارجية وحماية المرتكزات السيادية والأمنية للدولة في لحظات الانفجار الإقليمي

في نهاية المطاف، تلتقي مسارات التباين والتكامل بين أحمد أبو الغيط ونبيل فهمي تحت سقف واحد؛ إذ قدر التاريخ للرجلين أن يتوجا مسيرتيهما الممتدة بقيادة جامعة الدول العربية.فبعد سنوات طويلة قضاها أحمد أبو الغيط أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، أدار خلالها دفتها بحنكته الواقعية الصارمة وسط أعقد الأزمات الإقليمية، تكتمل الحلقة التاريخية بتولي نبيل فهمي الأمانة العامة لـ"بيت العرب". 

هذا التناوب الراقي على مقعد القيادة ليس مجرد استمرار للاعتراف الدولي والعربي بثقل المدرسة الدبلوماسية المصرية، بل هو تجسيد للمزاوجة المطلوبة في قيادة العمل العربي المشترك.لقد نقل الرجلان إرث خمسين عاماً من التحولات الجيوستراتيجية الصعبة من أروقة وزارة الخارجية المصرية إلى ساحة القرار العربي؛ لتظل قيادتهما المتعاقبة للجامعة شاهداً حياً على أن الدبلوماسية العربية، في أوقات محنها الكبرى، تظل دائماً بحاجة إلى مجهر "فهمي" التفاوضي الدقيق، ودرع "أبو الغيط" السيادي الصلب.