الهجرة النبوية.. عندما غير التخطيط مجرى التاريخ
نتعلم الكثير من الدروس المهمة، التي يمكن أن نستخدمها في حياتنا اليومية، من خلال الهجرة النبوية الطاهرة، ومن ذلك: التخطيط الجيد، والأخذ بالأسباب، والتوكل على الله، وحسن توظيف الطاقات البشرية، والتضحية في سبيل الله نصرة لدينه، والهجرة النبوية أكبر دليل على ذلك.
فقد كان بإمكان الوحي، في لحظة، أن ينقل رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وينتهي الأمر، لكن الله شاء أن يعلمنا دروسا مهمة في حياتنا، نتخذ فيها النبي ﷺ قدوة. ولو حدث الانتقال بالوحي من مكة إلى المدينة المنورة، لكان ذلك أدعى إلى الكسل، وترك العمل، وعدم الأخذ بالأسباب. لكن الحدث جاء درسا مهما في كيفية التخطيط من قبل النبي ﷺ، مع السرية التامة للأمر، والإعداد للموارد البشرية والمادية.
فقد بدأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه التجهيز قبل أربعة أشهر ليوم الهجرة، فيما أعد الرسول ﷺ من الموارد البشرية ما يسهل طريقه للوصول بسلام إلى المدينة المنورة؛ من تجهيز الدليل، والراعي، والتزود بالمؤن، وجمع الأخبار. كما أعد ﷺ طريقة الخروج، وكيفية التمويه على كفار قريش بأنه موجود بينهم؛ حتى لا يتتبعوه، وكيف غير النبي ﷺ الطريق، ووصل إلى غار ثور. وهناك تدخلت العناية الإلهية بعد أن بذل رسول الله ﷺ كل ما بوسعه؛ فالمعية الإلهية بدت جلية واضحة عندما لحق سراقة بن مالك بموكب الرسول ﷺ، فكانت أقدام فرسه تغوص في الرمال كلما اقترب من الرسول ﷺ وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فعلم سراقة بن مالك أن الرسول ﷺ ممنوع، ولا يمكن الوصول إليه بسوء.
المعية الإلهية
وليعلم المسلمون اليوم أن المعية الإلهية لا تكون مع النبي ﷺ وحده، بل ينال المؤمن منها بقدر إيمانه وأخذه بالأسباب؛ ويكفي أن يبذل المسلم من الأسباب، والتخطيط، والطاقة، ما يفرغ فيه وسعه، ويعلم تمام العلم أنه بعد أن أخذ بالأسباب، وتوكل على الله، فإن الله لن يضيعه، بل سيكون معه بعونه وتأييده. يقول الله تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ۖ فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلىٰ ۗ وكلمة الله هي العليا ۗ والله عزيز حكيم﴾. فكانت معية الله مع رسوله ﷺ وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالسكينة، والتأييد بالجنود، والمنعة من المشركين.
والهجرة النبوية الطاهرة ترتبط بالوطن، والدين، والإيمان، والعقيدة؛ فالنبي ﷺ عاد إلى مكة بعد ثماني سنوات من الهجرة فاتحا، لكنه لم يستقر فيها، وعاد مع الأنصار إلى المدينة المنورة؛ ليكمل حياته فيها، حتى توفاه الله تعالى، ودفن بها. وهذا هو الوفاء من نبينا ﷺ حين قال لأهل المدينة: «بل المحيا محياكم، والممات مماتكم»؛ أي: سأعيش حياتي معكم، وأموت وأدفن في بلدكم؛ تكريما وتشريفا لأهل المدينة على ما فعلوه معه ﷺ.
وقد اتخذت الهجرة النبوية الطاهرة بداية للتقويم الإسلامي، بأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد استشارته بقية الصحابة في زمن خلافته.
بقلم الدكتور مصطفى محمد عوض
الأستاذ المساعد بقسم التاريخ والحضارة وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض