رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هل يكفي التوكل دون إعداد؟ الهجرة تجيب

الدكتور هشام السيد
الدكتور هشام السيد الجنايني الأستاذ بجامعة الأزهر

من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أن يظنوا أن التوكل على الله يعني ترك الأسباب، أو أن مفهوم الثقة بالله يغني عن الإعداد والتخطيط؛ فإذا قصر أحدهم في واجباته، أو أهمل أسباب النجاح، ثم أخفق، علل ذلك بأنه متوكل على الله؟

وهذا الفهم لا يعرفه الإسلام، ولم تعرفه سيرة النبي ﷺ؛ بل جاءت الهجرة النبوية لتقرر قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وهي: أن التوكل الحق لا يكون إلا مع بذل الوسع في الأخذ بالأسباب المشروعة.

فالمتأمل في أحداث الهجرة يجد أن النبي ﷺ، وهو سيد المتوكلين، لم يكتف بالاعتماد على معية الله ونصره، مع يقينه الكامل بذلك، بل اتخذ من الأسباب ما يعجز عنه كثير من الناس؛ فقد اختار الوقت المناسب للخروج، حيث خرج ليلا بعيدا عن أعين قريش، واختار رفيق الرحلة، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يبيت في فراشه، واستأجر دليلا ماهرا يعرف طرق الصحراء، وهو عبد الله بن أريقط، واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام حتى تخف حدة المطاردة، وجعل عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه يأتيه بالأخبار، وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تحمل إليهما الطعام، وكان عامر بن فهيرة يمر بالغنم؛ ليمحو آثار الأقدام.
وكل هذه التدابير المحكمة اتخذها رسول الله ﷺ، وهو يعلم أن الله ناصره وحافظه؛ فلو كان مجرد التوكل يغني عن الإعداد، لكان النبي ﷺ أولى الناس بترك هذه الأسباب، لكنه لم يفعل؛ ليعلم الأمة أن سنن الله في الكون لا تتخلف. لقد جمع النبي ﷺ بين أمرين عظيمين: كمال الثقة بالله، وكمال الأخذ بالأسباب.

وحين وصل المشركون إلى باب الغار، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا»، لم يقل له النبي ﷺ: لقد أغنتنا خططنا وتدابيرنا، وإنما رد الأمر كله إلى الله، قائلا: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». متفق عليه.

التوكل المزعوم دون أسباب ليس من الدين في شيء

فالأسباب وحدها لا تنجح إلا بإذن الله، كما أن التوكل المزعوم دون أسباب ليس من الدين في شيء؛ ولهذا قرر القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال: 60]، فأمر بالإعداد، ثم قال سبحانه: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: 23]، فأمر بالتوكل؛ فليس هناك تعارض بين الأمرين، بل إن أحدهما يكمل الآخر.

وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وترك ناقته دون أن يعقلها، وقال: أأتوكل على الله؟ فقال له النبي ﷺ: «اعقلها وتوكل». [رواه الترمذي]. فالأخذ بالأسباب من تمام التوكل، وترك الأسباب مع القدرة عليها لون من التواكل المذموم، لا من التوكل المشروع.

إن الطالب الذي لا يذاكر، ثم ينتظر النجاح، ليس متوكلا، والتاجر الذي لا يحسن إدارة تجارته، ثم ينتظر الربح، ليس متوكلا، والداعية الذي لا يعد نفسه علميا وفكريا، ثم ينتظر التأثير في الناس، ليس متوكلا؛ وإنما التوكل الصحيح أن تبذل أقصى ما تستطيع من الأسباب المشروعة، ثم تفوض النتائج إلى الله.

لقد كانت الهجرة النبوية إعلانا عمليا بأن النصر لا ينال بالأماني، وأن الإنجازات لا تتحقق بمجرد الرغبات، وإنما تتحقق بالثقة بالله مع الإعداد المحكم؛ ولهذا فإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة هذا الفقه النبوي؛ فنربي أبناءنا على الإعداد، ونواجه تحدياتنا بالعلم والعمل، ثم نتوكل بعد ذلك على الله رب العالمين.

بقلم الدكتور هشام السيد الجنايني
الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية