الطفل المبارك يفجر نبعًا لمياه الشرب بـ"تل بسطا"
تل بسطا.. المدينة التي اهتزت فيها الأصنام أمام السيد المسيح
بعد أن عبرت العائلة المقدسة بوابة مصر الشرقية من مدينة الفرما، واصلت السيدة مريم العذراء، حمل طفلها المبارك، ويصحبهما القديس يوسف النجار، هربًا من بطش الملك هيرودس، الذي أصدر أوامره بقتل الأطفال خوفًا على ملكه، لم يكن الهروب بحثًا عن النجاة فحسب، بل كان تنفيذًا لمشيئة إلهية اختارت مصر لتكون الملاذ الآمن، لتكون “تل بسطا” هي المحطة الثانية لرحلة العائلة المقدسة.
حيث واصلت العائلة المقدسة رحلتها الشاقة، عبر الدروب الرملية، تحمل معها مشقة السفر وقسوة الطريق، بينما كانت العناية الإلهية تمهد لها طريقًا سيظل خالدًا في ذاكرة التاريخ، وكانت المحطة الثانية مدينة "تل بسطا"، إحدى أعرق مدن مصر القديمة، الواقعة بالقرب من مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، التي عُرفت منذ آلاف السنين بأنها مركز ديني وحضاري مهم.
كانت "تل بسطا" مدينة عامرة بالحياة، تزينها المعابد والأسواق، ويتوافد إليها الناس من أنحاء البلاد، غير أنها لم تكن تعلم أن يومًا سيأتي تحمل فيه بين طرقاتها أعظم زائر عرفته البشرية، دخلت السيدة مريم تحمل طفلها المبارك، ويصحبها القديس يوسف النجار، في رحلة لم يكن هدفها سوى النجاة من بطش الملك هيرودس، لكن آثارها ستظل باقية في وجدان المؤمنين عبر القرون.
وتروي الروايات الكنسية المتوارثة، أن دخول العائلة المقدسة إلى المدينة اقترن بحدوث أمر عجيب؛ إذ سقطت بعض الأصنام التي كانت تُعبد في ذلك الوقت، في إشارة رمزية إلى انتصار الحق على الباطل، وإلى أن نور الإيمان أقوى من كل ما يصنعه الإنسان بيديه، وقد أصبحت هذه الرواية جزءًا أصيلًا من التراث المرتبط برحلة العائلة المقدسة في مصر.
كما يذكر التراث المسيحي، أن الطفل المبارك فجّر في هذا المكان عينًا للمياه العذبة، ارتوى منها المسافرون بعد عناء الطريق، فتحولت الأرض التي كانت شاهدة على التعب والخوف إلى موضع للراحة والطمأنينة، وبقيت هذه الذكرى حاضرة في وجدان الزائرين جيلاً بعد جيل.
غير أن العائلة المقدسة، لم تجد في تل بسطا الإقامة التي كانت ترجوها، إذ تشير الروايات إلى أن بعض سكان المدينة، لم يُحسنوا استقبال العائلة المقدسة، فإختارت العائلة مواصلة رحلتها سريعًا، تاركة خلفها ذكرى لا تمحوها السنون، وهكذا أصبحت تل بسطا محطة قصيرة في الزمن، لكنها عظيمة الأثر في التاريخ.
واليوم، تُعد منطقة تل بسطا، من أهم المواقع الأثرية في محافظة الشرقية، إذ تضم بقايا المعابد المصرية القديمة، والآثار اليونانية والرومانية، إلى جانب المواقع المرتبطة بمسار العائلة المقدسة، وقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا ضمن مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة، بهدف إبراز قيمتها التاريخية والدينية، واستقبال الزائرين من مختلف أنحاء العالم.
وعندما يقف الزائر فوق أرض تل بسطا، فإنه لا يرى مجرد أطلال حجرية صامتة، بل يقرأ في كل حجر قصة حضارة، وفي كل نسمة هواء صدى رحلة صنعت جزءًا من هوية مصر الروحية، هنا التقت عراقة الحضارة المصرية برسالة السلام والمحبة، فكان اللقاء بداية صفحة جديدة في تاريخ هذا المكان.
لقد مضت قرون طويلة على مرور العائلة المقدسة، لكن تل بسطا ما زالت تحتفظ بمكانتها، بوصفها المحطة التي شهدت سقوط الأصنام، وانبثاق الماء، وعبور قافلة صغيرة كانت تحمل بين أفرادها رسالة ستغيّر وجه التاريخ. وهكذا بقيت المدينة شاهدة على أن قوة الحق لا تُقاس بالعدد ولا بالسلاح، وإنما بما يحمله من نور يبدد ظلمات الزمان.



تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
