أرض الفيروز تحتضن أولى خطوات السيد المسيح والسيدة العذراء..
"الفرما".. أول خطوة للعائلة المقدسة على أرض مصر
ليست كل المدن تُقاس بعمرانها، ولا كل البقاع تُخلَّد بما شُيِّد فوقها من قصور وحصون، فهناك أماكن منحها التاريخ مجدًا لا تصنعه الجيوش، وإنما تصنعه الخطى المباركة التي مرّت بها، ومن بين تلك البقاع تقف مدينة الفرما شامخة على تخوم سيناء، شاهدة على واحدة من أعظم الرحلات الإنسانية والروحية في التاريخ، حين وطئت أرضها أقدام العائلة المقدسة.
إيذانًا ببدء رحلة ستغيّر وجه التاريخ المصري، وتمنح أرض الكنانة مكانة روحية خالدة، كانت السماء آنذاك تخفي سرًا كبيرًا، بينما كانت الأرض تستعد لاستقبال ضيوف لم يحملوا معهم جيشًا ولا سلطانًا، وإنما حملوا رسالة سلام ورحمة، خرجت السيدة مريم تحمل طفلها المبارك، ويصحبهما القديس يوسف النجار، هربًا من بطش الملك هيرودس الذي أصدر أوامره بقتل الأطفال خوفًا على ملكه.
لم يكن الهروب بحثًا عن النجاة فحسب، بل كان تنفيذًا لمشيئة إلهية اختارت مصر لتكون الملاذ الآمن، عبرت العائلة المقدسة صحراء فلسطين مرورًا بغزة، ثم واصلت طريقها بمحاذاة الساحل ، حتى بلغت الحدود الشرقية لمصر، لتدخل من جهة الفرما، المدينة التي كانت تُعرف قديمًا بأنها البوابة الشرقية للبلاد، ومفتاح الدخول إليها عبر سيناء. وهناك بدأت أولى صفحات الرحلة المباركة فوق التراب المصري.
في ذلك الزمن كانت “الفرما” مدينة مزدهرة، تتلاقى عندها طرق التجارة القادمة من آسيا مع قلب وادي النيل، فكانت ملتقى للحضارات والجيوش والقوافل، غير أن الحدث الذي منحها خلودها لم يكن مرور جيش أو قافلة تجارية، وإنما استقبالها للعائلة المقدسة، لتصبح أول أرض مصرية باركتها خطوات السيد المسيح عليه السلام.
ورغم أن المصادر التاريخية، لا تورد تفاصيل كثيرة عن مدة إقامة العائلة في الفرما، فإنها تجمع على أن هذه المدينة كانت أول محطة داخل الأراضي المصرية، ومنها بدأت رحلة طويلة امتدت آلاف الكيلومترات عبر الدلتا، ووادي النطرون، والقاهرة، وصعيد مصر، قبل أن تعود العائلة إلى فلسطين بعد زوال الخطر.
واليوم، ما زالت آثار الفرما تروي قصة مدينة عظيمة ازدهرت عبر العصور، فقد كشفت الحفائر الأثرية عن بقايا كنائس، وأديرة، وأسوار، ومبانٍ رومانية وبيزنطية، تؤكد أن المكان ظل لقرون مركزًا دينيًا وتجاريًا مهمًا، وعلى الرغم من أن الزمن غيّر ملامح المدينة، فإن عبق التاريخ ما زال حاضرًا بين أطلالها، يروي للأجيال قصة البداية.
وتُعد “الفرما” اليوم إحدى المحطات الرئيسية في مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة في مصر، ذلك المشروع الذي يهدف إلى إبراز القيمة التاريخية والروحية لهذه الرحلة، وتعريف العالم بما تحمله مصر من تراث ديني وإنساني فريد، يجمع بين الحضارات والأديان تحت راية التسامح والمحبة.
إن الوقوف على أرض “الفرما” ليس مجرد زيارة لموقع أثري، بل هو وقوف عند بداية قصة عظيمة؛ قصة اختارت فيها العناية الإلهية مصر، لتكون وطنًا للأمان، وأرضًا للسلام، وملاذًا لطفل سيحمل رسالة المحبة إلى العالم.
وهكذا بقيت الفرما، رغم ما تعاقب عليها من قرون، تحمل لقبًا لا ينازعها فيه أحد: البوابة الأولى التي فتحت ذراعيها للعائلة المقدسة، ومنها بدأت الرحلة التي خلدت مصر في سجل التاريخ الإنساني والديني.



تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
