الذكاء الاصطناعي يرفع استهلاك طاقة مراكز البيانات إلى 60%
دخلت المنظومة الكهربائية العالمية مرحلة جديدة كلياً تضع الخطط التقليدية لإدارة الطاقة على المحك، حيث فرض التوسع السريع في تشييد مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي ضغوطاً غير مسبوقة على شبكات التوزيع، وجاءت هذه الطفرة المفاجئة لتجعل التنبؤ بحجم الطلب المستقبلي مسألة بالغة التعقيد، مما يجبر صناع القرار على إعادة النظر جذرياً في آليات التخطيط والهيكلة الاستثمارية.
ووفقاً لأحدث تقارير معهد كابجيميني للأبحاث، والذي جاء تحت عنوان الذكاء الاصطناعي يلتقي بالشبكة إعادة تشكيل معادلة الطاقة لمراكز البيانات، فإن الأغلبية الساحقة من القيادات التنفيذية في قطاع الطاقة باتت تواجه صعوبة بالغة في رسم خرائط الاحتياجات الكهربائية بدقة، نظراً لطبيعة الأحمال المتقلبة والمفاجئة التي تفرضها تقنيات الحوسبة المتقدمة.
أزمة الأحمال الوهمية وتحديات تخطيط رأس المال
ويكشف الاستطلاع الموسع الذي أجراه المعهد وشمل أكثر من 600 مسؤول تنفيذي في قطاعات الطاقة التي تتجاوز إيراداتها السنوية 500 مليون دولار، عن فجوة مقلقة آخذة في الاتساع بين التوقعات النظرية والواقع التشغيلي، حيث أقر نحو 67 في المئة من مسؤولي قطاع الكهرباء بوجود معضلة تتمثل في الطلبات الوهمية على أحمال مراكز البيانات.
وأوضح التقرير أن نحو 19 في المئة من هذه الطلبات تنتهي إلى طرق مسدودة دون أن تتحول إلى استهلاك فعلي على أرض الواقع، هذا التباين الحاد يفرض تحديات قاسية على شركات المرافق في كيفية تخصيص رأس المال وتحديد المواقع الجغرافية والتوقيت الملائم لتحديث البنية التحتية، فضلاً عن أن 77 في المئة من تلك الشركات تقوم حالياً بمراجعة شاملة لنماذج التنبؤ الحالية لمواكبة تنوع أنماط الاستهلاك الحالية.
وفي الوقت الذي يتسارع فيه نمو قطاع التكنولوجيا، يتوقع 68 في المئة من المسؤولين التنفيذيين حدوث عجز وضغط حاد على معروض الطاقة نتيجة عدم مواكبة وتيرة التوسع في محطات التوليد لحجم الطلب التصاعدي لمراكز البيانات، ويزيد التركيز الجغرافي لهذه المنشآت الكثيفة الاستهلاك من تعقيد الموقف، حيث يرى أكثر من نصف الخبراء أن تمركز الأحمال في مناطق محددة يعد اعتباراً حرجاً يهدد موثوقية الخدمة، وهو ما يتطلب ضخ استثمارات موجهة ومكثفة لضمان استقرار الشبكات المحلية وتفادي الانقطاعات المفاجئة.
أشارت كلير جوتييه، الرئيسة العالمية لقطاع الطاقة والمرافق في كابجيميني، إلى أن الذكاء الاصطناعي كشف عن قيود هيكلية عميقة في قدرات الشبكات والتخطيط، مبيّنة أن التحدي لم يعد يقتصر على الكمية المنتجة بل في القدرة على توصيلها بشكل موثوق في المكان والوقت المناسبين.
الدور المزدوج للذكاء الاصطناعي كمحرك للاستهلاك ومضاعف للكفاءة
وتشير القراءات التحليلية للمستقبل القريب إلى أن استهلاك الكهرباء الموجه لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي سيمر بقفزة هائلة، ليرتفع من 25 في المئة إلى نحو 60 في المئة من إجمالي طاقة مراكز البيانات خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مما قد يزاحم بقية أحمال تقنية المعلومات الأخرى.
ولكن على الجانب الإيجابي، يمثل الذكاء الاصطناعي جزءاً محورياً من الحل، إذ يتوقع ستة من كل عشرة مسؤولين أن تساهم التحليلات المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحقيق تحسينات تتجاوز 10 في المئة في مجالات تقليل الأعطال، والوقاية من الانقطاعات، واستعادة الخدمة سرياعاً، ورغم ذلك، لا يزال الاعتماد الفعلي في بداياته، حيث تستخدم 45 في المئة من الشركات هذه التقنيات لتحسين الأداء، بينما تمتلك 16 في المئة فقط استراتيجيات ناضجة لإدارة تدفقات الطاقة لحظياً.
التحول نحو التوليد الذاتي ومزيج الطاقة الهجين
ونتيجة لتأخر وتيرة الاتصال بالشبكات العامة والقيود الهيكلية، اتجه مشغلو مراكز البيانات العملاقة نحو حلول الطاقة اللامركزية والشبكات الداخلية التوليد الذاتي القريب من الموقع، وتشير البيانات إلى أن 30 في المئة يعتمدون حالياً على التوليد الذاتي، في حين يخطط 39 في المئة لتطبيق هذه الحلول خلال العامين القادمين، ويعتبر 86 في المئة من المشاركين أن القدرة على العمل المستقل عن الشبكة العامة تمثل ميزة تنافسية ضخمة تعيد رسم العلاقة التقليدية بين شركات المرافق وكبار المستهلكين.
وفيما يتعلق بمزيج الطاقة المستدام، يتفق 78 في المئة من مسؤولي الكهرباء و73 في المئة من مسؤولي مراكز البيانات على أن الاعتماد الحصري على الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح لا يوفر الإمدادات المستمرة والضخمة المطلوبة لأحمال الحوسبة الفائقة، مما يدفعهم للاستثمار المكثف في أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، وبما أن الحلول طويلة المدى كالمفاعلات النووية المعيارية الصغيرة لا تزال بحاجة إلى وقت للنضج التجاري، يرى 68 في المئة من الخبراء حول العالم أن الغاز الطبيعي سيظل الوقود الانتقالي الحتمي والمرحلي لضمان استمرار الأعمال، على الرغم مما يمثله ذلك من تحدٍ مباشر وجديد أمام تحقيق أهداف تحييد الكربون العالمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
