رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

من أصعب المعارك التي قد يخوضها الإنسان في حياته تلك التي لا يراها أحد، ولا يسمع ضجيجها سواه؛ إنها المعركة التي تدور في داخله حين يقف العقل في جهة، ويقف القلب في الجهة الأخرى، وكل منهما يملك أسبابه وحججه ومنطقه الخاص.

العقل بطبيعته يميل إلى الحسابات الدقيقة، يزن الأمور بميزان التجربة، ويقرأ النتائج قبل اتخاذ القرار .. أما القلب فلا يعرف لغة الأرقام ولا يعترف دائما ً بمنطق المكاسب والخسائر، بل يتحرك بالمشاعر والوفاء والحنين والأمل، وأحيانا ً بالأحلام التي يرفض التخلي عنها مهما بدت بعيدة المنال.

كم من إنسان أدرك بعقله أن طريقا ً ما لن يقوده إلا إلى الخسارة، لكنه ظل متمسكا ً به لأن قلبه لم يستطع الرحيل .. وكم من آخر عرف أن قرارا ً معينا ً هو الأصوب والأكثر حكمة، لكنه ظل يتردد لأن مشاعره كانت تسحبه في الاتجاه المعاكس.

فالمشكلة ليست دائما ً في أن الإنسان يجهل الطريق الصحيح، بل قد تكون في أنه يعرفه جيدا ً  بعقله ما ينبغي أن يفعله، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن قلبه سيدفع ثمن ذلك القرار .. وهنا تبلغ الحيرة ذروتها؛ لأن الاختيار لا يصبح بين صواب وخطأ، بل بين ألم وألم، وبين خسارة يمكن تحملها وخسارة يصعب احتمالها.

وربما كان السؤال الحقيقي ليس: أيهما ينتصر؟ 
بل: كيف ينجو الإنسان من هذا الصراع بأقل قدر من الندوب؟
وفي تلك اللحظات القاسية يبحث الإنسان عن مخرج، عن إجابة، عن يقين يريحه من هذا الصراع الداخلي .. لكنه يكتشف أحيانا ً أن بعض الأسئلة لا تأتي إجاباتها فورا ً، وأن بعض القرارات لا تتضح نتائجها إلا بعد مرور الزمن. 
لهذا يبقى الصراع قائما ً إلى أن تنضج الرؤية ويتضح الطريق.

وعلى ذلك، فإننا نستطيع القول إن إرادة الإنسان وقدرته على ترجيح كفة العقل أو القلب تؤدي دورا ً كبيرا ً في حسم كثير من المواقف. غير أن هناك عاملا ً آخر لا يقل تأثيراً بل قد يكون في بعض الأحيان هو العامل الحاسم، وهو المسألة القدرية التي تبقى بيد الله وحده.

فكم من إنسان عقد العزم على أمر ثم حالت الأقدار تنفيذه، وكم من آخر حاول الهروب من طريق فإذا بالأيام تدفعه إليه دفعا ً، وكأن الله سبحانه وتعالى بعد أن يبذل الإنسان ما يستطيع من تفكير واختيار وسعي، يضع الكلمة الأخيرة حيث يشاء بحكمته التي قد ندركها لاحقا ً أو نظل نجهلها.
وحينها فقط يدرك الإنسان أن الزمن كان أحيانا ً أكثر حكمة من عقله، وأن القدر كان أرحم بقلبه مما ظن.
لذلك، فربما لم يكن المفر يوما ً في انتصار العقل على القلب، أو انتصار القلب على العقل، وإنما في الرضا بما اختاره الله بعد أن نبذل ما نستطيع من تفكير وسعي واختيار. فهناك لحظات يعجز فيها العقل عن الإقناع، ويعجز فيها القلب عن النسيان، ولا يبقى للإنسان إلا أن يسلّم أمره لله، مؤمنا ً بأن ما كُتب له سيأتيه، وما لم يُكتب له لن تناله كل محاولاته.