بعد حادث وفاة طفل بسيارة والده.. استشاري نفسي تكشف أسرار "متلازمة الطفل المنسي"| خاص
أعادت واقعة وفاة طفل بعدما تُرك لساعات داخل سيارة مغلقة، الجدل حول ما يُعرف بـ«متلازمة الطفل المنسي»، وهي الظاهرة التي أثارت تساؤلات واسعة بشأن كيفية نسيان أب أو أم لطفلهما في السيارة، وما إذا كان ذلك يعكس إهمالًا متعمدًا أم خللًا مؤقتًا في عمل الدماغ والذاكرة تحت وطأة الضغوط النفسية والروتين اليومي.

ما هي «متلازمة الطفل المنسي»
وفي هذا السياق، كشفت استشارية الطب النفسي الدكتورة إيمان عبد الله، في تصريح خاص لـ«بوابة الوفد الإلكترونية»، أن ما يُعرف بـ«متلازمة الطفل المنسي» يشير إلى نسيان الشخص المسؤول عن رعاية الطفل له في مكان غير آمن، سواء داخل سيارة أو غرفة أو دار رعاية أو مدرسة، بما قد يؤدي إلى وقوع حادث أو وفاة، مؤكدة أن من يتسبب في مثل هذه الوقائع قد يكون الأب أو الأم أو أي شخص يتولى رعاية الطفل، دون أن يكون ذلك عن قصد.
أسباب حدوث متلازمة الطفل المنسي
وأوضحت أن هذه الحالة ترتبط بخلل مؤقت في عمل الذاكرة والانتباه، وهو خلل يحدث بصورة لا إرادية، مشيرة إلى أن الدماغ يعتمد على نظامين يعملان بالتوازي؛ الأول هو نظام الذاكرة المرتبط بالروتين والعادات اليومية، والثاني هو الذاكرة المستقبلية المسؤولة عن التخطيط للمهام الجديدة وتذكر ما يجب تنفيذه لاحقًا.
وأضافت أن التعرض لضغوط نفسية شديدة، أو الانشغال الذهني، أو الحرمان من النوم، أو ضغوط العمل، قد يؤدي إلى سيطرة نظام الروتين على أداء الدماغ، ليعمل الإنسان فيما يعرف بـ«الطيار الآلي»، فينفذ المهام المعتادة دون تفكير واعٍ.
وأشارت إلى أنه عندما يطرأ تغيير غير معتاد على الجدول اليومي، مثل تكليف الأب بتوصيل طفله إلى الحضانة في يوم لا يقوم فيه بذلك عادة، فقد يعتمد الدماغ على المسار الروتيني المعتاد، ويتجه الشخص إلى مقر عمله تلقائيًا، بينما تغيب المهمة الجديدة عن وعيه مؤقتًا.
وأكدت الدكتورة إيمان عبد الله أن هذه الحوادث لا تعني بالضرورة أن الأب أو الأم مهملان أو تعمدا إيذاء الطفل، وإنما قد تعكس نوعًا من الخلل المعرفي المؤقت، رغم أن نتائجه تكون مأساوية، موضحة أن الروتين اليومي من أكثر العوامل تأثيرًا في آليات عمل الذاكرة.
ولفتت إلى أن «متلازمة الطفل المنسي» ليست تشخيصًا رسميًا معتمدًا في الدليل التشخيصي للأمراض النفسية، لكنها مصطلح يستخدم في علم النفس المعرفي لوصف ظاهرة الفشل المؤقت في الذاكرة المستقبلية، وهي الذاكرة المسؤولة عن تذكر المهام المطلوب تنفيذها في وقت لاحق.
وأضافت أن القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التخطيط والانتباه، تتأثر بالإجهاد والقلق وقلة النوم، وعندما تتراجع كفاءتها يعتمد الدماغ بصورة أكبر على السلوكيات الراسخة والروتين اليومي، وربط المهام بأوقات محددة.
وأوضحت أن الدماغ في بعض الحالات قد يُكوّن اعتقادًا خاطئًا لدى الأب بأنه قام بالفعل بتوصيل طفله إلى الحضانة، لأنه يكمل السيناريو المعتاد تلقائيًا، مؤكدة أن ذلك لا يعني الكذب أو التعمد، وإنما هو نتيجة اعتماد الدماغ على الروتين ومحاولته استكماله ذهنيًا.
وأشارت إلى أنه لا يجوز إصدار حكم واحد على جميع هذه الوقائع، موضحة أن بعضها قد يكون ناتجًا عن إهمال حقيقي، بينما قد يرتبط بعضها الآخر بفشل معرفي مؤقت، مؤكدة أن الفصل في كل حالة يجب أن يُترك للجهات المختصة بعد دراسة جميع ملابسات الواقعة.
تأثير الصدمة النفسية على الأب بعد اكتشاف وفاة طفله
وحول التأثير النفسي على الوالد بعد اكتشاف وفاة طفله، أكدت الدكتورة إيمان أن الصدمة تكون من أشد أنواع الصدمات النفسية، إذ يعاني الأب أو الأم من شعور دائم بالذنب وجلد الذات، وقد يتطور الأمر إلى اكتئاب شديد واضطراب ما بعد الصدمة، مصحوبًا بكوابيس متكررة واسترجاع مستمر للحادث.
وأضافت أن المصاب قد يلجأ إلى العزلة، ويعاني من القلق، ويتجنب الاختلاط بالآخرين، وقد تصل حالته في بعض الأحيان إلى إيذاء نفسه، مؤكدة ضرورة إخضاعه لتقييم نفسي متخصص، داعية المجتمع إلى التعامل مع هذه الحالات برحمة وإنسانية، مع مراعاة أبعادها النفسية إلى جانب الإجراءات القانونية.
تأثير العادات اليومية على الذاكرة
وأشارت إلى أن هناك عوامل تزيد من احتمالات حدوث هذا النوع من النسيان، أبرزها الضغوط النفسية المرتفعة، والتغير المفاجئ في الروتين اليومي، والحرمان من النوم، والإرهاق الذهني، والتشتت، لافتة إلى أن بعض الأدوية المستخدمة في حالات طبية معينة قد تؤثر أيضًا في مستوى الانتباه.
نصائح لتجنب تكرار هذه المأساة
وقدمت الدكتورة إيمان عبد الله مجموعة من الإرشادات الوقائية لتجنب تكرار مثل هذه المآسي، مؤكدة أن أولها عدم الاعتماد الكامل على الذاكرة، خاصة عند حدوث أي تغيير في الروتين اليومي.
ونصحت بوضع هاتف محمول أو جهاز إنذار مع الطفل ليتمكن من التواصل مع أحد والديه بسهولة، كما أوصت في مثل هذا الحدث الغير متكرر أن تقوم الأم بالإتفاق مع الأب بأن يتواصل معها بإرسال رسالة أو الاتصال بها بمجرد توصيل الطفل إلى الحضانة، باعتبارها وسيلة تحقق إضافية قد تمنع وقوع الكارثة.
كما دعت لممارسة الرياضة والذهاب إلى جلسات التأمل بصورة منتظمة، لما لها من دور في كسر الروتين والخروج من ضغوطات الحياة وتحسين التركيز والانتباه.
تفاصيل الحادث
توفى طفل بعدما توجه والده إلى مقر عمله وتركه نائمًا داخل السيارة المغلقة دون أن ينتبه إلى وجوده، وبعد ساعات، تواصلت الأم مع الأب للاستفسار عن الطفل، ليكتشف أنه لم يوصله إلى الحضانة كما كان يعتقد، وعندما عاد مسرعًا إلى السيارة، عثر على نجله وقد فارق الحياة.
وكشف التقرير الطبي أن الطفل وصل متوفى، وأن سبب الوفاة يعود إلى تعرضه لدرجات حرارة مرتفعة لفترة طويلة داخل السيارة المغلقة، في واقعة تعيد التأكيد على أن ارتفاع درجات الحرارة داخل المركبات خلال فصل الصيف يمثل خطرًا بالغًا على الأطفال، وقد يؤدي بقاؤهم داخلها فترات طويلة إلى عواقب مميتة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض