بين الشللية وآليات التحكيم.. مَن يستحق جوائز الدولة؟
جس النبض وحكم الخبراء.. ماذا يقترح المبدعون؟
من حافة القبر إلى اغتيال جيل الوسط.. أسماء يرشحها المثقفون وتغيبها اللجان
من الأسماء المحصورة إلى لجان غير المتخصصين.. ضاعت هيبة الجائزة
«مستجاب وبركة وصالح والفوال»: روشتة إنقاذ قبل أن تصبح الجائزة قرعة
لم تكن أبداً جوائز الدولة مجرد خبر ثقافى عابر، بل مرآة ترى فيها الثقافة المصرية وجهها كل عام. ومنذ أيام صدّقت الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، على القوائم القصيرة لعام 2026 فى فروع النيل والتقديرية والتفوق. فانحصرت جائزة النيل للآداب بين الشاعر محمد الشهاوى والدكتور يوسف نوفل، وضمت التقديرية للفنون ستة أسماء تتنافس على ثلاث جوائز، بينهم فاروق حسنى ومحمد صبحى.
هكذا فقد أعاد ضيق الباب أمام اتساع الطموح السؤال المزمن: مَن يختار مَن؟ وبأى معيار؟
المفارقة أن الضجيج الحقيقى لم يصدر من القاعات، بل من الفضاء الرقمى، فعلى صفحات التواصل، تحوّل كل قارئ إلى لجنة ترشيح، وكل متابع إلى صوت يزكّى اسماً ويسقط آخر. ذاك الحراك يبدو صحياً فى ظاهره، لكنه يكشف عطشاً عميقاً للمشاركة فى تقرير من يكرم باسم الثقافة المصرية.
وهنا يبرز السؤال الذى لا يخفت: لماذا يظل الترشيح حكراً على الآليات الرسمية وحدها؟ إن كان التكريم أرفع ما تمنحه الدولة لمبدعيها، فالأجدر أن يكون للمجتمع الثقافى نصيب فى الترشيح لا فى التصفيق فقط. والحل لا يحتاج معجزة، لماذا لا تتاح منصة ترشيح مفتوحة لثلاثين يوما مثلا، تتلقى تزكيات النقابات والجامعات وتوقيعات المثقفين، تعقبها لجنة مهنية تفرز الغث من السمين، لتخرج قائمة قصيرة هجينة، نصفها من نبض المجتمع ونصفها من خبرة اللجان؟ يبقى القرار الأخير للدولة، لكن الهيبة لا تصنعها الغرف المغلقة، بل يصنعها إجماع لا يشترى.
دعونا نلجأ لآراء بعض المثقفين حول تلك الإشكالية، ونطلع على ما يطرحون من اقتراحات، سواء فيما يتعلق بالاختيار أو ترشيحهم لأسماء محددة، يجدونها الأجدر بالفوز هذا العام.

< تكريم على حافة القبر
بداية، يرى الكاتب محمد محمد مستجاب أن «اللجان فى المجلس محصورة بالمقترحات أو الأوراق المقدمة، وبالتالى فلن تستطيع أن تضع اسماً من الخارج إلا لو كان على حافة القبر». مستدلاً بما جرى مع الراحلة نعمات البحيرى فى التفوق، ومع الأستاذ أمين ريان الذى «لمدة ثلاث سنوات تقدم ولم يحظ بالتأييد لأنه ليس لديه شلّة». ويحذر مستجاب من أن فتح باب الترشيح المجتمعى بلا ضوابط سيحوّله إلى «مجزرة أو معركة، وكل شلّة تدافع عن الاسم المقدم».
ثم يشير إلى المأساة الصامتة بقوله: «أى اسم يخرج من على خشبة المسرح الثقافى أو يجلس فى الظل، فلن تجد من يقترحه». ويعدّد أسماء أضافت للتجربة الشعرية العربية ببصمة حقيقية: محمد سليمان، جمال القصاص، محمد المخزنجى.
وعن مأزق العمر فيلخصه مستجاب قائلاً: «إذا كانت التشجيعية قد قيدت بالسن فقد ظهر جزء كبير من الأدباء نشعر بأنه تم اغتيالهم. فلا لهم حظوة كى يقدموا فى التفوق، وليسوا فى عمر صغير كى يقدموا فى التشجيعية، مثل حمدى الجزار». ويختتم مستجاب بمأساة ندركها جيداً، حين قال: نتيجة كل ما سبق فإن كثيراً من المبدعين يلجأون إلى جوائز الخليج، لأن بها جزءا كبيرا من المصداقية.

< لا أحد يرضى عنها إلا من فاز
ويلتقط الروائى محمد بركة الخيط من زاوية المصداقية، فيقول: «أهم عنصر يجب أن تستند إليه أى جائزة هو المصداقية والسمعة العالية التى تبنى عبر التراكم. هذا الشرط لا يتوفر بالشكل الكافى فى جوائز الدولة المصرية». ويقرر: «الأمر واضح وضوح الشمس، ولا أحد يرضى عن تلك الجوائز إلا من فاز بها أو أصبح مرشحا لها». ويرى بركة أن الحل يكمن فى: «لا بد من حوار وطنى مجتمعى معمق يستهدف تغيير الآلية الحالية للاختيار والتى عفا عليها الزمن وتبدو مصممة للسيطرة والفرز الانتقائى».
وممن يرى أحقيتهم فى الفوز، يرشح للتقديرية كل من: جار النبى الحلو، د.حسن طلب، وجمال القصاص.

< القوائم القصيرة وبالون الاختبار
لكن الشاعرة والناقدة د. رشا الفوال تؤكد أن هناك إشراكاً فعلياً للوسط الثقافى فى الاختيار ولكن بشكل غير مباشر، مؤكدة أن إعلان القوائم القصيرة يكون بمثابة بالون اختبار للمجتمع الثقافى ومدى تقبله للأسماء المعلنة. فإذا تم الهجوم على اسم بعينه يتم استبعاده، والعكس صحيح إذا تم استحسان اسم ما يتم تصعيده.

< عقلية بيروقراطية والحل فى الاقتراع
ويأتى د. شريف صالح، الكاتب والناقد الفنى وعضو المجلس الأعلى للثقافة، ليضع إصبعه على البنية كلها، حين يؤكد أنه لابد أن تتطور الآلية التى تدار بها جوائز الدولة.
مضيفاً: أرى أن هناك عقلية بيروقراطية متحجرة فاشلة تدير هذه الجوائز ولا تتناسب مع العصر ومتطلباته، بدءا من القيمة المادية لها، فجوائز الدولة تحتاج إعادة نظر فى قيمتها المادية التى ما عادت فى تلك الظروف الاقتصادية تليق بالدولة المصرية، مروراً بعدد الجوائز التى لا تكفى عدد المبدعين الذين زادوا بشكل كبير عن الماضى، انتهاء بآليات التحكيم.
ويرى صالح نسف المركزية فى اقتراحه العمل بمبدأ الاقتراع، فيقول: مع احترامى الشديد لأعضاء لجان التحكيم والمجلس الأعلى للثقافة، فهناك تخصصات مختلفة للمحكمين عن طبيعة الجوائز التى يحكمون فيها. فمثلاً نقيب الممثلين لا علاقة له بالأدب، كيف يمكنه أن يختار أديباً ويدلى بدلوه فى شىء لا علاقة له بتخصصه وهو لا يتابع الساحة الأدبية؟ فاختلاف التخصصات يجعل الاختيار عشوائيا وقائما على التربيطات.
ويقترح شريف صالح حلاً عملياً: «أرى أن يستعين المجلس الأعلى للثقافة بخمسين من خبراء التخصص للاقتراع فى فروع الترشيح. فيكون هناك خمسون مثقفاً يختارون قائمة مكونة من خمسة أو عشرة أسماء تعرض على المجلس الأعلى للثقافة للتصويت عليها. ويتاح جزء من التصويت للجمهور. ويختتم بقوله: إن تغيير نظام الاقتراع بدلاً من لجان الفرز السرية التى تقوم على الحجب والتوجيه، ومراجعة عدد الجوائز وقيمها المادية. كل ذلك إذا أخذ فى الاعتبار سوف تتحسن جوائز الدولة وترضى الكثيرين.
انتهت الشهادات، وكلها خلصت لأمر واحد: جائزة الدولة أسيرة شللية تحمي أبناءها، وآليات تحكيم عفا عليها الزمن. بين أوراق لا ترى من في الظل، ومصداقية تنزف كل عام، وبالونات اختبار تراقب الغضب، ولجان تحكم في غير تخصصها، تضيع الهيبة. فالتكريم الذي ينتظر التربيطات أو التصفيق أو الصمت لم يعد تكريما، بل هو قرعة مؤجلة.
والمطلوب ليس الترميم، بل التغيير. اقتراع الخمسين، حوار وطني، قيمة مادية تليق، ومعايير معلنة. وإلا فإن سؤالنا "من يستحق جوائز الدولة؟" سيظل له إجابتان: إجابة اللجان في الغرف المغلقة، وإجابة المثقفين في الظل. والمسافة بينهما هي مساحة الخيبة التي تتسع كل عام.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض