رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مستشفى الشاطبي.. ماذا تقول الشريعة عن حرمة المريض وكرامة الإنسان داخل المستشفيات؟

بوابة الوفد الإلكترونية

حرمة المريض في الإسلام ليست مجرد قيمة أخلاقية أو توجيه إنساني، بل هي أصل شرعي راسخ يحفظ للإنسان كرامته وخصوصيته وحقوقه حتى في أوقات ضعفه ومرضه، ومع الجدل الذي أثير مؤخرًا بشأن ما تم تداوله حول بعض الممارسات داخل مستشفى الشاطبي للنساء والتوليد بالإسكندرية، عاد الحديث بقوة عن الحدود التي رسمتها الشريعة الإسلامية للتعامل مع المرضى، وعن المسؤولية الدينية والأخلاقية الملقاة على عاتق العاملين في المجال الطبي.

ويؤكد علماء الشريعة أن حرمة المريض في الإسلام تنبع من تكريم الله تعالى للإنسان، حيث يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وهو تكريم لا يزول بسبب المرض أو العجز أو الحاجة إلى العلاج، بل يزداد وجوب المحافظة عليه في تلك الظروف التي يكون فيها الإنسان أكثر احتياجًا إلى الرحمة والرعاية.

حفظ الكرامة الإنسانية مقصد شرعي أصيل

جعلت الشريعة الإسلامية حفظ النفس والكرامة والعرض من المقاصد الكبرى التي جاءت الأحكام لحمايتها. ولذلك لم تنظر إلى المريض باعتباره مجرد حالة طبية أو رقم داخل سجل المستشفى، بل باعتباره إنسانًا كامل الحقوق له حق الاحترام والتقدير والرعاية.

ويؤكد الأزهر الشريف في العديد من إصداراته المتعلقة بالأخلاق الطبية أن التعامل مع المريض يجب أن يقوم على الرحمة وصيانة الكرامة الإنسانية وعدم تعريضه لأي صورة من صور الإهانة أو الاستغلال أو الانتقاص من إنسانيته، لأن المرض لا يسقط حقوق الإنسان بل يزيد من واجب المجتمع تجاهه.

ومن هنا فإن أي ممارسة تؤدي إلى إذلال المريض أو السخرية منه أو انتهاك خصوصيته تتعارض مع جوهر الرسالة الإسلامية التي قامت على تكريم الإنسان ورعاية الضعفاء والمحتاجين.

خصوصية المريض أمانة شرعية

ومن أبرز مظاهر حرمة المريض في الإسلام حماية أسراره وخصوصياته الصحية والشخصية.

 فقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن الطبيب مؤتمن على ما يطلع عليه من أسرار المريض أثناء الفحص أو العلاج، وأن الأصل الشرعي هو تحريم إفشاء هذه الأسرار أو تداولها أو كشفها للناس دون مبرر معتبر شرعًا. 

كما اعتبرت الدار أن كشف أسرار المرضى يدخل في باب خيانة الأمانة وهتك الستر والوقوع في الغيبة المحرمة.

كما شددت دار الإفتاء على أن حفظ السر الطبي ليس مجرد التزام مهني، بل هو واجب ديني وأخلاقي يجب الوفاء به، ولا يباح الخروج عليه إلا في حالات الضرورة التي يترتب على كتمانها ضرر جسيم يتعدى إلى الآخرين.

الإسلام يحرم انتهاك خصوصية المرضى

لم يكتف الإسلام بالأمر بحفظ الأسرار، بل وضع منظومة متكاملة لحماية خصوصية الإنسان. 

وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن احترام الخصوصية جزء من مقاصد الشريعة المتعلقة بحفظ العرض والكرامة الإنسانية، وأن الشرع نهى عن تتبع العورات وكشف المستور والتشهير بالناس أو انتهاك حياتهم الخاصة دون ضرورة معتبرة.

وانطلاقًا من ذلك، فإن تصوير المرضى أو نشر معلوماتهم أو تداول تفاصيل حالاتهم الصحية دون إذنهم يمثل اعتداءً على حق أصيل كفله الإسلام، خاصة إذا كان المريض في حالة ضعف أو عجز تجعله غير قادر على الدفاع عن نفسه أو المطالبة بحقوقه.

الرحمة أساس العلاقة بين الطبيب والمريض

العلاقة بين الطبيب والمريض في التصور الإسلامي ليست علاقة مهنية بحتة، وإنما علاقة تقوم على الرحمة والأمانة والإحسان.

 وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الرحمة بالناس جميعًا، وجعل الإحسان إلى المحتاجين بابًا من أبواب القرب من الله تعالى.

ولهذا فإن العاملين في القطاع الطبي مطالبون شرعًا بأن يجمعوا بين الكفاءة المهنية وحسن الخلق واحترام المرضى، وأن يدركوا أن المريض لا يحتاج إلى الدواء فقط، بل يحتاج أيضًا إلى الكلمة الطيبة والاحترام والشعور بالأمان النفسي.

مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية

يرى علماء الشريعة أن الالتزام بحقوق المرضى لا يرتبط فقط بالقوانين واللوائح المنظمة للعمل الطبي، وإنما يرتبط قبل ذلك برقابة الضمير واستشعار المسؤولية أمام الله تعالى.

فكل من اؤتمن على صحة الناس أو أسرارهم أو أجسادهم يتحمل مسؤولية عظيمة، ويجب عليه أن يؤديها بإخلاص وأمانة، لأن الإسلام ينظر إلى الوظائف والخدمات العامة باعتبارها أمانات يسأل الإنسان عنها يوم القيامة.

المريض إنسان قبل كل شيء

وفي خضم النقاشات التي تثار من حين لآخر حول أوضاع المؤسسات الطبية، تبقى الحقيقة الثابتة أن حرمة المريض في الإسلام مبدأ لا يقبل المساومة، وأن كرامة الإنسان لا تتوقف عند باب المستشفى، بل تصبح أكثر وجوبًا في لحظات المرض والضعف. 

كما أن حرمة المريض في الإسلام تشمل حفظ خصوصيته وصيانة أسراره واحترام مشاعره وعدم تعريضه لأي شكل من أشكال الأذى النفسي أو المعنوي.

 وتؤكد النصوص الشرعية وفتاوى المؤسسات الدينية أن حرمة المريض في الإسلام جزء من منظومة متكاملة لحفظ الكرامة الإنسانية، وأن الالتزام بها يمثل واجبًا دينيًا وأخلاقيًا ومهنيًا على الجميع. لذلك تظل حرمة المريض في الإسلام عنوانًا للرحمة والإنسانية التي جاء بها الدين الحنيف، وتبقى حرمة المريض في الإسلام معيارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع بقيمه الأخلاقية والإنسانية.