وزارة الثقافة تبيع التاريخ بـ2 مليار جنيه
صراع العقارات يلتهم نادى القصة واتحاد الكتاب
الوزارة تؤجر المسارح وتغلق العقول
هل تصبح القاهرة بلا ﺛﻘﺎﻓﺔ؟
قانون واحد يهدد بإفراغ وسط البلد من مبدعيه
لماذا تطارد الحكومة اﻷدﺑﺎء؟
بيت فى جاردن سيتى اسمه «نادى القصة»، وغرفة فى حى شعبى تدعى «بيت ثقافة»، وقصر فى الزمالك يطلق عليه «اتحاد الكتاب»... هكذا كانت الثقافة فى بلدنا تسكن عناوين.
لم تكن مجرد جدران، بل ذاكرة مدينة تكتب على الأبواب، وأصوات أدباء تصدح بالأرجاء، وأحلام أطفال قد يصبح أحدهم يوماً نجيب محفوظ.
واليوم، تغلق تلك الأبواب واحداً تلو الآخر، وتطفأ الأنوار وقد يعم الظلام..
ولسنا عن أزمة نادى القصة ببعيد، ذاك الذى وقع عقده يوسف السباعى عام 1960، ثم تم طرده بحكم قضائى بعد أكثر من ستين عاماً، فى 2021، ليرحل قسرياً من جاردن سيتى إلى فيصل، ثم إلى لاظوغلى، ثم ينفى كآثم فى أكتوبر.. كأنه لاجئ فى وطنه.
بينما تقف 120 بيت ثقافة عاجزة، بعد أن أطفئت أنوارها دفعة واحدة، وأصبح ثلاثة آلاف موظف بلا وظيفة، حينها سئل وزير الثقافة السابق أحمد هنو عن المبرر، فأجاب بقوله إنها «حجرات صغيرة لا تليق» لتصرخ النائبة ضحى عاصى، واصفة ما يحدث بأنه «تجريف للوعى»، وتهدر المانشيتات والتقارير والبرامج، باعتراضات لم يخفت صوتها..
واليوم، حان الدور على قصر الزمالك، مقر اتحاد الكتاب المصريين، لينفى مسئولوه نية النقل أو إخبارهم بالإخلاء، وفى الآن ذاته يؤكدون أنهم يبحثون عن «أرض بديلة تحسباً لأى مفاجأة».. هكذا.. صارت المفاجأة هى القاعدة.
لكن دعونا نسأل: أى ضرر يلحق بالوزارة من ترك مقر تاريخى للمثقفين؟ أى أزمة يتسبب بها مؤتمر هنا، أو ندوة ترتج بها جدران قصر ثقافة أو اتحاد أو نادٍ هناك؟
لماذا هذا التعسف؟ لماذا تبحث وزارة الثقافة فى أوراق وعقود عفا عليها الزمن؟ عقود وقعها يوسف السباعى، وأخرى أبرمتها الدولة نفسها قبل عشرات السنوات.
لو أن دعم الوزارة للثقافة يقتصر على المقرات، دون غيرها، فهو يكفى. يكفى أن يبقى الباب مفتوحاً، والضوء ساطعًا، والجدران شاهدة على تاريخ غير قابل للمقايضة. فالمقر ليس حجراً، بل هوية واضحة. وليس مكان إقامة، بل ذاكرة حية.
ترى.. هل قررت الثقافة المصرية أن تهاجر من وسط البلد إلى الصحراء؟
فى السطور التالية نفتح ملف المقرات التى خسرتها وزارة الثقافة والمثقفون، قبل أن يذهب ما تبقى من «الثقافة»، إلى غير رجعة.

< نادى القصة من جاردن سيتي إلى نفيه بأكتوبر
فى يوليو 1960 وقع الأديب يوسف السباعى عقد إيجار المقر التاريخى لنادى القصة بـ68 شارع قصر العينى. ليظل النادى 61 عاماً منارة للثقافة، يلتقى فيها السباعى والحكيم ومحفوظ وعبد القدوس.
لكن، فى 11 يناير 2021، انتزع بحكم قضائى نهائى تطبيقاً لقانون إنهاء العلاقة الإيجارية للجهات الاعتبارية. ومنذ ذلك التاريخ بدأ الترحال: ففى أغسطس 2021 إلى شقة بشارع فيصل بالتعاون، وفى نوفمبر 2023 نقل للمرة الثانية خلال عامين إلى 18 شارع مجلس الأمة بميدان لاظوغلى. أما السبب فكما صرح وقتها محمد ناصف سكرتير النادى: «الأدباء كانوا يعانون من صعوبة الوصول للمقر القديم فى آخر فيصل».
وأخيراً، فى مايو 2025، وبعد إخلاء النادى من مقره بـ86 شارع قصر العينى، خصصت وزارة الثقافة مقراً جديداً داخل قصر ثقافة الإبداع الفنى بمدينة 6 أكتوبر، بالحى السابع.
هكذا، عانى نادى القصة التنقل الجبرى بين أربعة مقرات فى أربع سنوات.. من قصر جاردن سيتى إلى نفيه فى الصحراء.

< 120 بيت ثقافة و3 آلاف موظف فى مهب الريح
فى قرار أثار زوبعة من الرفض والاستهجان، وبالتحديد فى 17 مايو 2025، أعلن وزير الثقافة السابق د. أحمد فؤاد هنو إغلاق 120 بيت ثقافة ومكتبة مؤجرة فى 24 محافظة، من أصل 619 قصراً ووحدة ثقافية تمتلكها الوزارة، وبرر هنو القرار بأن هذه الوحدات «لم تعد تؤدى رسالتها» وأن بعضها «لا يتجاوز حجرة صغيرة لا تليق».
لكن الأرقام تكشف ما هو أبعد: الإغلاق يشمل 1206 موظفين، و86% من هذه المواقع «بلا رواد أو مستفيدين» حسب تصريح الوزير حينئذ. والأخطر أن بيانات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء تؤكد أن عدد قصور وبيوت الثقافة انخفض من 432 عام 2009 إلى 347 عام 2021، أى 85 بيتاً وقصراً فى 12 عاماً فقط... بينما تكشف الخريطة الجغرافية للإغلاق أن المنوفية تصدرت القائمة بـ13 بيت ثقافة ومكتبة، تليها الشرقية والغربية بـ11 موقعاً لكل منهما، ثم الدقهلية بـ10 مواقع.
يحيلنا هذا إلى سؤال أهم: هل الإغلاق الوسيلة الأسرع بدلًا من التطوير؟
بينما وقف البرلمان حينها يصدع بالرفض، فقد تصدرت النائبة والروائية ضحى عاصى المشهد النيابى والثقافى فى مصر برفضها القاطع لقرار الهيئة العامة لقصور الثقافة بإغلاق العشرات من بيوت الثقافة. واعتبرت القرار «تراجعاً خطيراً» و«رسالة سلبية» تضر بالأمن القومى الثقافى، مؤكدة أن الثقافة خدمة عامة وليست مشروعاً استثمارياً ربحياً، وتقدمت بطلبات إحاطة ضد التوجهات الحكومية لغلق المقرات المستأجرة، رافضة ذريعة «توفير النفقات»، مشددة على أن إغلاق بيوت الثقافة فى القرى والمناطق المهمشة يمثل تجريفاً للوعى.
ووصف النائب نادر مصطفى، وكيل لجنة الثقافة والإعلام، ما يحدث بأنه «تنازل عن الحقوق وتفريط فى التراث.. فالقرار جاء دون دراسة أو خطة بديلة». بينما تقدمت النائبة فاطمة سليم بطلب إحاطة عن «خطة الوزارة لاكتشاف المواهب بعد الإغلاق».
ليأتى التراجع الرسمى فى 29 مايو 2025، حين نفى الوزير السابق إصدار أى قرار بالإغلاق قائلًا: «لن تغلق شقة مؤجرة لها تأثير مجتمعى». وأعلن تشكيل لجنة لمراجعة نشاط 40 موقعاً ثقافياً فقط.

< اتحاد الكتاب بين «لن يُمس» و«تحسباً لأى مفاجأة»
هكذا، وصلت الأزمة إلى شارع حسن صبرى بالزمالك، فمنذ أيام والوسط الثقافى يحيا حالة من الترقب، إثر تداول أنباء عن نقل مقر اتحاد كتاب مصر من موقعه التاريخى بالزمالك، وشراء أرض جديدة بالسيدة زينب، لتكون مقراً جديداً، وخرجت العديد من الاعتراضات على ما وصف بـ«القرار المنفرد للمجلس الاستشارى»، فيما أعلن أعضاء بمجلس الإدارة فى منشورات على صفحاتهم الخاصة، عدم إبلاغهم بالأمر مؤكدين رفضهم القاطع له.

وفى تصريح لـ«الوفد»، أوضحت الكاتبة نفيسة عبدالفتاح، عضو مجلس إدارة الاتحاد، أن هناك غموضاً حول وضع المقر وما زال التفاوض ممكناً، فالمقر ملك لمجلس الشيوخ وليس كنادى القصة ودار الأدباء وغيرهما من الملكيات الخاصة التى أعيدت لأصحابها، ورغم التأكيدات بأن سحب المبنى غير صحيح، يظل حجب المعلومات غير مقبول، ويظل تشكيل لجنة لشراء أرض أمراً جانبه التوفيق لإعطائه انطباعاً بأن المقر سيضيع، خاصة بعد أن سبقت الإشارات إلى إجراء معاينة من الجهة المالكة والحديث عن إعادة تقييم تكاليف الترميم والتطوير كجزء من أى تفاوض محتمل. ما يطرح التساؤل: هل نحن بصدد تفاوض، أم معركة قانونية؟
فيما يرى آخرون أن لا داعى لشراء أرض جديدة فى ظل حاجة الأعضاء إلى دعم فى ملفات التأمين الصحى والمعاشات والنشر وغيرها، واصفين ما يحدث- فى ظل نفى مسئولى الاتحاد نية النقل- بأنه إهدار لأموال النقابة.

وعبر الكاتب الكبير محمد سلماوي، رئيس اتحاد الكتاب السابق، عن مدى غضبه مما يتعرض له الاتحاد، وهو ما أورده في مقال له، حيث أكد أن ما يحدث لاتحاد الكتاب غير مقبول، ذلك الاتحاد العريق، الذى يمثل ضمير مصر ورصيد قوتها الناعمة والذى رأسه على مدى نصف القرن الماضى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وثروت أباظة وسعد الدين وهبة وغيرهم.
متسائلا: هل معقول أن يتم طرده من مقره بالزمالك إلى الشارع، إذا كانت تلك مصيبة لا تحدث فى دولة متحضرة فالمصيبة الأكبر هى أن الدولة هى التى تقوم بذلك.. فهل يعقل ونحن نعتبر بناء الإنسان أحد الأولويات أن تهبط على الاتحاد لجنة من مجلس الشيوخ وريث مجلس الشورى تطالب باخلاء المبنى نهاية الشهر الحالى؟
وبينما أصدر د. علاء عبدالهادى، رئيس اتحاد كتاب مصر، بياناً رسمياً لأعضاء الجمعية العمومية أكد فيه أن «المقر سيظل مقراً دائماً للنقابة، وأنه لا يوجد أى تهديد يمسه»، كشفت تصريحات الكاتب عبده الزراع، نائب رئيس النقابة، عن تحركات موازية تنم عن قلق واضح.

< رئيس الاتحاد: لا تهديد.. ومراجعة العقود لا تعنى الرحيل
خرج د. علاء عبدالهادى، رئيس الاتحاد، بتوضيح حاسم نافياً ما تم تداوله. وأكد أن المقر باق فى الزمالك كمقر دائم للنقابة، ولا يوجد أى تهديد يمسه. وأوضح أن مراجعة جهات الدولة لصحة التعاقدات لا تعنى رغبتهم فى استرداد المكان.

< الزراع: لن يُمس.. على الأقل حاليا.. لكننا نتحرك
فى المقابل، قال الكاتب عبده الزراع فى تصريح خاص لـ«الوفد»: «ليس هناك أى أزمة تخص هذا الأمر، وإن مقر النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر فى الزمالك، لن يمس لا من قريب أو بعيد، فقط، على الأقل فى الوقت الحالى».
ورغم تأكيده أنه «لا خوف على مبنى الاتحاد فى الزمالك»، كشف الزراع عن خطة الطوارئ: «لا مانع من التحرك للحصول على قطعة أرض من الدولة للنقابة تحسباً لأى محاولة لاسترداد المبنى الحالى». وأضاف: «سنسعى كمجلس إدارة للحصول على قطعة أرض للنقابة لدى هيئة المجتمعات العمرانية فى أى مدينة جديدة».
هكذا نجد أنفسنا فى مفارقة مربكة، بين بيان رسمى يؤكد أنه «لا يوجد أى تهديد» وتصريح نائب الرئيس عن «التحرك تحسباً لأى محاولة لاسترداد المبنى»، ليتضح أن شبح نادى القصة وبيوت الثقافة قد وصل إلى الزمالك.
< ما بين قانون الإيجارات والديون
بالنظر ملياً فيما سبق، نلحظ أن هناك ثلاثة أمور ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما يحدث: الأول، قانون إنهاء الإيجارات القديمة للجهات الاعتبارية الذى أطاح بنادى القصة وقد يطيح باتحاد الكتاب، ويهدد 160 شقة مؤجرة بحلول 2027. الثانى، الأزمة المالية؛ فالوزير السابق د. أحمد فؤاد هنو، قال فى 17 مايو 2025، خلال اجتماع لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب لمناقشة أزمة إغلاق 120 بيت ثقافة إن تطوير قصور الثقافة يتطلب 7 إلى 8 مليارات جنيه، بينما ديونها تتجاوز 2 مليار جنيه. الثالث، التوجه نحو «الرقمنة» و«الاستثمار الامثل للمسارح».
إذن، ما يحدث الآن هو تزامن لثلاثة أمور: تنفيذ قانون الإيجارات، ووجود ضغوط على الموازنة، والحديث عن التطوير والرقمنة. ونتيجة ذلك، قد تنتقل مقرات ثقافية تاريخية من وسط المدينة، إلى مواقع جديدة. وهذا يطرح سؤالاً: هل ستحافظ هذه المؤسسات على دورها وتأثيرها بعد خروجها من مقراتها التاريخية؟
وهو ما يطرح معه سؤالاً آخر حتمياً: هل يمكن أن يتحول المشهد ذات يوم إلى مقرات بلا مثقفين، أو مثقفين بلا مقرات؟
ختاماً.. على الدولة أن تجد حلولاً واقعية، قبل أن نستيقظ يوماً فلا نجد فى القاهرة سوى لافتات تحمل: «كان هنا نادٍ.. وكان هنا بيت ثقافة.. وكان هنا اتحاد كتاب».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض