كلمة حق
جسّدت السينما المصرية شخصية «الفتوة» منذ عقود طويلة، وقدمتها فى كثير من الأعمال الدرامية باعتبارها رمزًا للقوة المقترنة بالنخوة والجدعنة، «الفتوة» ذلك الرجل الذى يفرض سيطرته على المنطقة أو الحى أو الحارة مستعينًا بمجموعة ممن كان يطلق عليهم «أبضايات» مصدرًا للكافة أنه الوحيد القادر على فرض الأمن زاعمًا بذلك وقوفه إلى جوار الضعفاء، موحيًا وبغير حق أنه ينتصر للمظلوم، ويعيد الحقوق إلى أصحابها، كل ذلك ترسخ فى زمن كانت فيه الدولة ومؤسساتها أقل حضورًا فى بعض البيئات الشعبية.
وعبرت أفلام عديدة عن هذه الشخصية باعتبارها نموذجًا شعبيًا يحظى بالرهبة والخوف والاحترام المصطنع.
ذاع فى تلك الفترة صيت الفتوة وحاول هؤلاء التلحف بأن يكون دورهم مرتبطًا بالشهامة وتحمل المسئولية والدفاع عن أهل الحارة، ولكن مع مرور الوقت، شهدت هذه الصورة تحولًا خطيرًا، فبدلًا من الفتوة الذى يرتبط بالجدعنة والمروءة، ظهرت نماذج أخرى تقوم على السيطرة وفرض النفوذ بالقوة والترهيب وترويع المواطنين، لتتحول (الفتونة) من مفهوم اجتماعى ارتبط بحماية الضعفاء إلى سلوك إجرامى يعرف بالبلطجة.
عزيزى القارئ لن أكون قاسيًا على المواطن ولا أنكر أن بعض المواطنين قد يلجأون أحيانًا إلى أصحاب النفوذ أو القوة خارج إطار القانون، نتيجة شعورهم بطول أمد التقاضى أو تأخر الفصل فى بعض النزاعات بسبب تكدس القضايا أمام المحاكم، مع أنه فى الواقع ليس مبررًا لقبول (البلطجة) لأن البديل عن سيادة القانون هو الفوضى، والفوضى لا تصنع عدالة ولا تحفظ حقًا.
بعد كل هذه المقدمة بات لزامًا علىّ أن أشيد بالجهود التى تبذلها أجهزة الدولة، وفى مقدمتها النيابة العامة ووزارة الداخلية، فى مواجهة الخارجين على القانون وضبط العناصر الإجرامية، وآخرهم ما عرف بمجموعة «النخانيخ» وغيرهم من المسميات - «أسد الصحراوى» و«أسد المقطم» - التى حاولت جاهدة فرض سطوتها وسيطرتها على المواطنين.
إن إصرار الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى على ضرورة القضاء على تلك الظاهرة اللعينة قبل استفحالها تعد رسالة واضحة تؤكد أن الدولة لن تسمح بوجود مراكز قوة موازية لسلطتها، وأن احتكار إنفاذ القانون حق أصيل للدولة وحدها فى إطار الشرعية الدستورية والقانونية.
ومن هنا نطلق جرس إنذار للجميع بأن هذه الإجراءات لن تكون النهاية، لكنها بداية الطريق للقضاء على ظواهر كثيرة ظهرت مؤخرًا على الشارع المصرى لأن بناء دولة القانون لا يتحقق فقط عبر المواجهة الأمنية، بل يتطلب أيضًا إيمان المواطن بقدرة أجهزة الدولة على استجداء حقوقه، كما تتطلب ضرورة زيادة الوعى وعدم الانسياق وراء الشائعات والأوهام والروايات الكاذبة التى حاول هؤلاء وغيرهم من كارهى الدولة المصرية ترويجها، كما أصبح لازمًا بل واجبًا قيام الدولة ممثلة فى كل الجهات المعنية بسرعة إنجاز العدالة، وتطوير منظومة التقاضى وسرعة الفصل فى القضايا، وإيجاد الحلول اللازمة لتنفيذ هذه القرارات والأحكام بالسرعة الممكنة ودعم جهود النيابة العامة ووزارة الداخلية ماليًا وتكنولوجيًا فى هذا الشأن كى تترسخ الثقة فى المؤسسات الوطنية وحتى يوقن كل مواطن أن حقه سيصل إليه عبر القانون وحده، لا عبر فتوة أو بلطجى أو صاحب نفوذ.
أرجو أن تكون الأحداث والإجراءت التى تقوم بها الدولة المصرية الآن، هى بداية لعهد جديد نؤكد فيه على ترسيخ دولة القانون التى تكفل الحقوق وتحمى الجميع دون استثناء، حتى لا يلجأ المواطن إلى استجداء البلطجية للحصول على حقه.
كلى ثقة فى مؤسسات الدولة المصرية وعلى رأسها وزارة الداخلية وجميع الأجهزة الرقابية، والنيابة العامة، بأن القادم أفضل وأن (دولة القانون) هى التى ستحكم.
وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية
المحامى بالنقض
رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض