رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

رحلة من الصعيد إلى بحرى

«شالله يا مرسى يا أبوالعباس»

بوابة الوفد الإلكترونية

للإسكندرية بوابات كثيرة، لكن بوابتها الروحية الأجمل تقع هنا، فى قلب الأنفوشى بـ «بحري»، حيث تتجلى العمارة الأندلسية لجامع وضريح المرسى أبوالعباس بقبابه السبع الفريدة، ومئذنته الشامخة فى مواجهة البحر المتوسط، كأنها علامة ترشد الزائرين إلى واحدة من أكثر البقاع حضورًا فى الوجدان السكندرى.

«شالله يا مرسى يا أبوالعباس» هكذا صدحت الكلمات من فم أحد المارة على بعد خطوات من ساحة المسجد الرخامية، حيث يبدأ عالم آخر، حين تعبر بابًا خشبيًا أخضر كُتب فوقه «سيدى المرسى أبوالعباس»، فتترك وراءك ضجيج الشوارع وأمواج البحر، لتدخل إلى فضاء تغلب عليه السكينة والخضرة، وداخل المقام تتداخل همسات الدعاء مع عبق المكان العتيق، فيما يتوافد الزوار من مختلف المحافظات حاملين حكاياتهم وآمالهم، ليصبح المسجد أكثر من مجرد أثر معمارى أو مكان للصلاة؛ بل مساحة تلتقى فيها الذاكرة الشعبية بالروحانية، والتاريخ بحكايات البشر اليومية.

 

خلف زجاج الضريح

 

داخل جدران المقام، تختفى أصوات الترام، وصخب الحياة، وتتحول الألوان إلى درجات الأخضر الفوسفورى المشع من وراء الواجهات الزجاجية، وهناك، على مقربة من الضريح، جلست سيدة أربعينية لساعة دون حراك، ملاصقة لواجهة المقام الزجاجية، ولا يخرج منها سوى همهمات الذكر والدعاء، يتداخل معها صوت راديو صغير يصدع بتواشيح دينية عذبة، كان من الصعب اختراق خلوتها، فأخبرنا خادم المقام أنها تأتى يوميًا لنحو ساعة ونصف، ثم تنصرف صامتة دون أن تحادث أحدًا.

وكان خادم المقام، هو أحد العاملين بالمسجد، يقف دون ملل بملابس رسمية هادئة، يراقب جموع الزوار بعينين ألفتا الوجوه وحفظت تفاصيل العابرين، اعتذر فى البداية بحذر وظيفى عن ذكر اسمه، لكن محبته للمكان غلبت تحفظه، ليرسم خريطة البشر الذين يطرقون باب «أبوالعباس» يوميًا، قائلًا لـ»الوفد»: «البعض يظن أن الزوار هم فقط المريدون وأهل الطرق، لكن الحقيقة أعمق؛ هناك عائلات تقطع مئات الكيلومترات من البحيرة وعمق الصعيد، بعضهم لا يعرف تاريخ التصوف أصلًا، لكنهم جاءوا بدافع التبرك أو المحبة الفطرية».

وعن الحراك الصوفى، يوضح: «أهل الطرق يأتون فى مجموعات منسقة، ويظل يوم الجمعة هو ذروة الأسبوع؛ حيث تقام الحضرة بانتظام داخل جنبات المسجد، لتختلط أصوات الذكر بنسمات البحر».

وحول الجدل المثار عن زيارة الأضرحة، يجيب برؤية تجمع بين فقه الوظيفة وعاطفة المكان: «نحن نُعلّم الناس أن النفع والضر بيد الله وحده، وعفوية البسطاء تجعلهم يقولون فى مناجاتهم: (يا رب ببركة سيدنا المرسي) كنوع من الوسيلة والتقرب، فكل من يدخل يقرأ الفاتحة ويدعو الله وحده بطريقته».

ويختتم شهادته بوصف الحالة النفسية للزوار: «المقام يستقبل كل الطبقات؛ هناك من يأتون بشكل دورى ليجلسوا لساعات فى سكينة تامة، يشكون همومهم إلى الله، ويغادرون براحة نفسية يعز وجودها فى صخب العالم الخارجي».

حكاية «نادرة»

 

بجوار المقام، خُصصت مساحة كمصلى للسيدات، بداخلها، لفتت نظرى سيدة تحمل ملامحها «سمرة» الإسكندرية الأصيلة، وجبينها يشى بحكايات صبر طويلة، محاطة بعدد من الأمهات اللاتى يطلبن منها رقية أطفالهن، تحدثت إلينا الحاجة نادرة وعيناها تتأملان جنبات المسجد بحنين جارف، لتروى قصة جيل كامل ارتبط بالمكان:«أنا من مواليد بحرى، واتربيت هنا، وباجى مسجد أبوالعباس من وأنا عندى 8 سنين، زمان كانت الناس كلها تعرف بعضها، وكنا نيجى مع والدتى وإخواتى ونقضى اليوم كله فى المسجد».

وتضيف بفخر: «إحنا أسرة شغالة فى الصيد وتجارة السمك، وحياتنا كانت مرتبطة بالبحر وبأبوالعباس. كنت بعد الشغل أجى المسجد بشكل شبه يومى، ومجرد دخولى المكان كان بيدينى راحة نفسية كبيرة».

لكن ذكرياتها سرعان ما امتزجت بالحزن، إذ تقول: «بعد وفاة أخويا فى البحر انقطعت عن زيارة المكان لسنوات طويلة.. كان جرحًا كبيرًا». ثم تبتسم وهى تنظر إلى الضريح مردفة: «النهارده أول مرة أرجع بعد كل السنين دى، وحسيت بحنين كبير للمكان ولذكريات أمى وإخواتي».

وعن زيارتها للمقامات، تؤكد: «أنا بزور مقامات آل البيت والأولياء، وبشوف إن الأماكن دى بتدى الإنسان راحة نفسية وتفكره بربنا. إحنا بنتوجه إلى الله وحده، لكن بنرتبط بالمكان لما فيه من بركة وسكينة وذكر لله».

 

ملاذ الأمهات

 

بين السيدات اللاتى التففن حول الحاجة نادرة، كانت منال، 25 عامًا، تحمل طفلتها الصغيرة القادمة معها من محافظة سوهاج فى زيارة بدأت كسياحة إلى الإسكندرية، وانتهت بمحطة روحانية داخل رحاب سيدى المرسى أبوالعباس.

تقول منال: «أنا جاية إسكندرية سياحة، وسمعت كتير عن سيدى المرسى أبوالعباس ومكانته عند الناس، فحبيت أزور المسجد وأشوفه بنفسي».

وتوضح أن قلقها على طفلتها كان الدافع الأكبر وراء طلب الرقية، قائلة: «بنتى على طول بتعيط ومش بتهدى بسهولة، ولما جيت هنا الناس قالولى إن الحاجة نادرة بترقى الأطفال، فطلبت منها ترقى بنتى. أنا ماعنديش معرفة كبيرة بالرقية الشرعية، لكن كنت بدور كأم على أى حاجة تطمنى على بنتي».

وتؤكد أن أكثر ما لفت انتباهها لم يكن الرقية وحدها، بل الأجواء التى وجدتها داخل المسجد، مضيفة: «أول ما دخلت حسيت براحة نفسية جميلة ماكنتش متوقعاها. أنا مش من الناس اللى بتزور المقامات باستمرار، لكن حبيت أشوف المكان اللى بسمع عنه من سنين».

وتختتم حديثها قائلة: «أنا مؤمنة إن ربنا هو الشافى والحافظ وحده، وجيت هنا أدعى لبنتى وربنا يحفظها ويبارك فيها».

 

أبوالعباس المرسى

 

وخلف مشاهد الزائرين والدعوات التى تتردد يوميًا داخل أروقة المقام، تقف سيرة صاحبه حاضرة فى الوجدان بعد نحو ثمانية قرون من رحيله. فالإمام أبوالعباس المرسى، واسمه أحمد بن عمر الأنصارى الخزرجى، وُلد بمدينة مرسية بالأندلس عام 616 هـ، قبل أن تستقر به الرحلة فى الإسكندرية بعد لقائه بالشيخ أبى الحسن الشاذلى. وهناك أمضى أكثر من أربعة عقود فى التعليم والإرشاد وتربية المريدين، حتى أصبح أحد أبرز رموز التصوف الإسلامى، وارتبط اسمه بالمدينة التى احتضنت ضريحه وما زالت تحفظ ذكراه حتى اليوم.

أما المسجد الذى يحمل اسمه، فلم يعد مجرد بناء يحتضن ضريح ولى صالح، بل تحول إلى أحد أبرز معالم الإسكندرية الدينية والمعمارية. فالمسجد القائم حاليًا أُعيد تشييده فى صورته المهيبة خلال النصف الأول من القرن العشرين وفق تصميم المهندس الإيطالى ماريو روسى، ليجمع بين الطراز الإسلامى الأندلسى وروعة العمارة الحديثة. وبين مئذنته الشاهقة وقبته الضخمة وأروقته الواسعة، يظل مسجد سيدى المرسى أبوالعباس أكثر من مجرد مقصد للزيارة؛ فهو شاهد على حكاية رجل عبر البحار قبل قرون، وما زالت سيرته قادرة على استقطاب القلوب إلى اليوم.

عبق لا يغادر الروح

تنتهى الرحلة فى رحاب سيدى المرسى أبوالعباس، لكن الحكايات لا تنتهى عند أبوابه، فبين جدرانه يلتقى الصياد الذى يحمل أحزانه، والأم التى تبحث عن الطمأنينة لطفلتها، والزائر الذى جاء من بعيد طلبًا للسكينة، هنا تذوب الفوارق وتبقى القلوب معلقة بالدعاء، ليظل المقام، كما كان عبر قرون، ملاذًا روحيًا يقصده المتعبون، وحكاية حية تستقر على شاطئ الإسكندرية ولا تغادر الذاكرة.